[responsivevoice_button buttontext='قراءة المقال' voice='Arabic Female']

تزامن قيامي بالتحضير لأحد الموضوعات الطبية التي اعتدت مناقشتها على صفحتي الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وهو موضوع الهوية الجندرية، مع مشاهدتي منشورًا لوزارة الداخلية المصرية عن القبض على أحد الأشخاص الذكور، بحسب وصف المنشور، كان يرتدي ملابس نسائية، ونُسبت إليه أفعال وصفتها الوزارة بأنها «خدش للحياء العام» و«استدراج» لمن يرغبون في ارتكاب أفعال وصفتها هي أيضًا بالفجور.

لن أناقش تفاصيل قانونية، ولا صحة الاتهامات من عدمها؛ فهذا شأن آخر يحتاج إلى مستنداته وأحكامه القضائية. لكن الواقعة دفعتني إلى سؤال مختلف تمامًا: ماذا نعني أصلًا عندما نتحدث عن الهوية الجندرية؟

وبالعودة إلى المراجع الطبية، وجدت أن الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في الخطاب العام.

هل الجنس والجندر شيء واحد؟

تفرّق منظمة الصحة العالمية بين الجنس (Sex) والجندر (Gender).

فالجنس يرتبط بالخصائص البيولوجية والفيزيولوجية للإنسان، مثل الكروموسومات والهرمونات والأعضاء التناسلية، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى الذكور والإناث والأشخاص ذوي الخصائص الجنسية غير المتمايزة (البينية) بمصطلح: Intersex عند الحديث عن الخصائص الجنسية.

أما الجندر فيرتبط بالخصائص والأدوار والسلوكيات والمعايير التي يبنيها المجتمع والثقافة، ولذلك يمكن أن يختلف من مجتمع إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى ((باسم الجنوبي، سلسلة عن المرأة في المسيحية، [١] مقدمة في الجندر. )).

الهويات الجندرية وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا:

الجنس المحدد عند الولادة (الهوية الجنسية)، والهوية الجندرية، ليسا مصطلحين متطابقين.

فالهوية الجندرية، بحسب منظمة الصحة العالمية، هي التجربة الداخلية والفردية العميقة للشخص تجاه الجندر، والتي قد تتوافق أو لا تتوافق مع الجنس المحدد له عند الولادة ((World Health Organization (WHO), Gender and Health, Sexual and Gender Diversity )).

وهذا التعريف لا يقول إن الجنس البيولوجي غير موجود، ولا يقول إن الهوية الجندرية تلغي الخصائص الجنسية؛ بل يميز بين مفاهيم مختلفة كثيرًا ما يتم خلطها ببعضها البعض.

وماذا عن الملابس والمظهر؟

الهويات الجندرية هنا نصل إلى مفهوم آخر هو التعبير الجندري (Gender Expression). ويعني الطريقة التي يُعبر بها الإنسان عن نوعه في مجتمعه (يعبّر للآخرين)، ويمكن أن يظهر ذلك من خلال الملابس، وتسريحة الشعر، والصوت، والسلوك، وطريقة المظهر عمومًا. والأهم أن التعبير الجندري لا يدل بالضرورة على الهوية الجندرية للشخص ((American College of Obstetricians and Gynecologists (ACOG): Health Care for Transgender and Gender Diverse Individuals )).

وبالتالي: ارتداء شخص لملابس يعتبرها المجتمع «نسائية» لا يكفي وحده لكي نعرف هويته الجندرية.

فالملابس تعبير، وليست اختبارًا طبيًا يكشف هوية الإنسان. وقد يكون الشخص رجلًا ويحب ارتداء ملابس تُعتبر أنثوية، أو امرأة ذات مظهر يُعتبر ذكوريًا، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن هويته الجندرية مختلفة عن جنسه المحدد عند الولادة. وتؤكد ACOG تحديدًا أن الهوية الجندرية والتعبير الجندري قد يختلفان عن بعضهما ((Human Rights Campaign (HRC): Sexual Orientation and Gender Identity Definitions, Transgender and Non-Binary FAQ )).

هل الهوية الجندرية هي الميول الجنسية؟

الهويات الجندرية لا،
الهوية دائمًا تتعلق بإحساس الإنسان بذاته،
بينما الميول تتعلق بالانجذاب تجاه الآخرين.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الميول الجنسية لا يمكن افتراضها من الجنس المحدد عند الولادة أو من الهوية الجندرية أو من التعبير الجندري ((World Health Organization (WHO), Gender and Health, Sexual and Gender Diversity )).

وهذا التفريق مهم جدًا؛ لأن الخلط بين من أنت؟ وإلى من تنجذب؟ وكيف تظهر للآخرين؟ يخلق قدرًا هائلًا من الالتباس.

وماذا حدث في الطب؟

في التصنيف الدولي للأمراض ICD-11، أعادت منظمة الصحة العالمية صياغة تصنيف الحالات المرتبطة بالجندر. فقد استُبدلت بعض التصنيفات القديمة الموجودة في ICD-10، مثل Transsexualism وGender Identity Disorder of Children، بتصنيفات تتعلق بـ Gender Incongruence، أو عدم التوافق الجندري. كما نُقل عدم التوافق الجندري من فصل الاضطرابات النفسية والسلوكية إلى فصل جديد هو الحالات المتعلقة بالصحة الجنسية ((World Health Organization (WHO), Classifications, Gender incongruence and transgender health in the ICD )).

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن هذا التغيير يعكس المعرفة الطبية الحالية التي لا تعتبر الهويات العابرة جندريًا والمتنوعة جندريًا في حد ذاتها حالات من اعتلال الصحة النفسية، كما أن تصنيفها سابقًا ضمن الاضطرابات النفسية كان يمكن أن يساهم في الوصم. وفي الوقت نفسه، أبقت المنظمة على تصنيف Gender Incongruence داخل ICD-11 بما يساعد على توفير الرعاية الصحية المناسبة لمن يحتاجون إليها ((World Health Organization (WHO), Classifications, Gender incongruence and transgender health in the ICD )).

وهنا يجب أن ننتبه إلى فرق شديد الأهمية: وجود Gender Incongruence في ICD-11 لا يعني أن «الهوية الجندرية مرض نفسي». فالمنظمة نقلت هذا التصنيف تحديدًا بعيدًا عن فصل الاضطرابات النفسية، مع الإبقاء عليه ضمن التصنيف الطبي لأغراض الرعاية الصحية ((World Health Organization (WHO), Classifications, Gender incongruence and transgender health in the ICD )).

هل كل البشر يصنفون إلى «رجل» أو «امرأة» فقط؟

في الأدبيات الطبية المعاصرة توجد مصطلحات مثل Transgender وNon-binary وGender-fluid وGender-nonconforming وغيرها.

الهويات الجندرية وتعرّف ACOG الشخص غير الثنائي Non-binary بأنه شخص قد لا يشعر بأنه ينتمي حصريًا إلى فئة الرجل أو المرأة، وقد يرى نفسه ضمن الاثنين أو بينهما أو خارج هذه الثنائية. كما تستخدم بعض المصادر مصطلح Gender-fluid لمن تكون هويته الجندرية غير ثابتة أو متغيرة ((American College of Obstetricians and Gynecologists (ACOG): Health Care for Transgender and Gender Diverse Individuals ))، ((Human Rights Campaign (HRC): Sexual Orientation and Gender Identity Definitions, Transgender and Non-Binary FAQ )).

وتعرّف ACOG أيضًا الشخص Cisgender بأنه الشخص الذي تتوافق هويته الجندرية مع الجنس الذي أُسند إليه عند الولادة ((American College of Obstetricians and Gynecologists (ACOG): Health Care for Transgender and Gender Diverse Individuals )).

لكن من المهم هنا ألا نحول هذه المصطلحات إلى قائمة مغلقة. فمصطلحات الجندر ليست متطابقة في جميع الثقافات، وبعض المجتمعات لديها مفاهيم وتقاليد خاصة بها لا يمكن اختزالها بسهولة في المصطلحات الغربية الحديثة. وتشير HRC أيضًا إلى وجود مصطلحات وهويات جندرية مختلفة في أنحاء العالم، وأن قائمة المصطلحات ليست شاملة ((Human Rights Campaign (HRC): Sexual Orientation and Gender Identity Definitions, Transgender and Non-Binary FAQ )).

نموذج الـ Muxe المكسيكي

من أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام في جوتشيتان دي زاراغوزا بولاية أواكساكا بالمكسيك، توجد جماعة الـMuxe، ويُنظر إليها داخل الثقافة المحلية باعتبارها جندرًا ثالثًا.

تصف جامعة شيكاغو الـMuxe بأنهم أشخاص صُنّفوا ذكورًا عند الولادة، لكنهم يعيشون ويعبّرون عن أنفسهم، في السياق الثقافي المحلي، بطرق تجمع بين خصائص وأدوار مرتبطة تقليديًا بالنساء. وقد يشمل ذلك الملابس النسائية واستخدام مستحضرات التجميل وأدوارًا اجتماعية مختلفة ((University of Chicago: Mexico’s Third Gender: A Broad Overview of Muxes )).

muxesفي جوتشيتان أسطورة شعبية تقول إن القديس ڤيسنتي فيرير، شفيع المدينة ((ڤينسنت فيرير Vincent Ferrier: (من 1350م إلى 1419م): كان راهبًا دومينيكانيًا من ڤالنسيا، اشتهر كواعظ ومبشر ومنطقي، وخلال الانشقاق الكاثوليكي الغربي، دعم البابا المنشق بنديكت الثالث عشر، وسافر للتبشير في أنحاء أوروبا الغربية والجزر البريطانية. يُنسب إليه في بعض المصادر تحويل 25,000 يهودي إلى الكاثوليكية. وتشير مصادر أخرى إلى أنه لجأ إلى وسائل قسرية، مثل تحويل المعابد اليهودية قسرًا إلى كنائس. تم تقديسه رسميًا عام 1455، وتشمل الكيانات التي سُميت باسمه: المعهد الديني البابوي، وأخوية القديس ڤنسنت فيرير ، وبلديتين برازيليتين: ساو ڤيسنتي فيرير، مارانهاو ، وساو ڤيسنتي فيرير، بيرنامبوكو. وفي عام 2019، تم نصب تمثال له يبلغ طوله 50 متراً في بايامبانغ، الفلبين. ))، كان يحمل أكياسًا من البذور؛ أحدها للذكور، وآخر للإناث، وثالث مختلط، وعندما مر بالمدينة انشق الكيس الثالث وخرجت منه الـMuxe. لكن بطبيعة الحال، فهذه رواية شعبية متوارثة وليست تفسيرًا طبيًا أو علميًا لأصل الـMuxe.

والأهم أن الـMuxe ليست مجرد نسخة مكسيكية من مصطلح Transgender أو Non-binary. فالمصدر نفسه يشير إلى أن اختزال الـMuxe في هذه المصطلحات لا ينقل بالكامل المعنى الثقافي والاجتماعي الخاص بمفهوم الـMuxe داخل المجتمع الزابوتيكي في أواكساكا ((University of Chicago: Mexico’s Third Gender: A Broad Overview of Muxes )).

وهذه نقطة شديدة الأهمية، فالهوية ليست مجرد مصطلح طبي. بل جزءًا من التاريخ والثقافة واللغة وطريقة تنظيم المجتمع لأدواره وعلاقاته. فالـMuxe جزء من الثقافة الزابوتيكية في أواكساكا، ولهم تقاليد وأدوارًا اجتماعية خاصة، مع وجود قبول اجتماعي في بعض السياقات، وفي الوقت نفسه وجود رفض وتمييز ومشكلات تتعلق بالخدمات العامة والصحية ((University of Chicago: Mexico’s Third Gender: A Broad Overview of Muxes )).

ماذا تخبرنا قصة الـMuxe؟

تخبرنا، ببساطة، أن الطريقة التي يفهم بها الإنسان الجندر ليست متطابقة في جميع المجتمعات البشرية. فما يعتبره مجتمع ما «دورًا رجاليًا» قد لا يكون كذلك في مجتمع آخر. وما يعتبره مجتمع ما خروجًا عن القاعدة، قد يكون جزءًا من تقليد اجتماعي متأصل تراثيًا في مجتمع آخر.

هذا لا يعني أن علينا نقل تجربة مجتمع إلى مجتمع آخر كما هي. ولا يعني أن كل المجتمعات يجب أن تستخدم المصطلحات نفسها. لكنه يعني أن التاريخ الإنساني أكثر تنوعًا وتعقيدًا من أن نضعه كله داخل قالب واحد.

وأن الظواهر الإنسانية المعقدة لا تصبح أبسط بمجرد أن نضعها تحت عنوان أمني أو أخلاقي أو اجتماعي واحد.

نهال مجدي
[ + مقالات ]