ليس لنا دالة عند ربنا يسوع المسيح، سوى: طلباتُكِ وشفاعتكِ.(لحن “إفرحي يا مريم”)
طبعًا كل واحد حر يقول رأيه طالما باحترام، وأرجو أن محدش يزايد على محبتي الشخصية لأمي العذراء مريم، واللي عاوز يزايد، يزايد؛ أنت حر يا صديقي.
أود أن أنوّه إلى نقطة مهمة في أصل الجدل: الربع محلّ الاعتراض، بحسب ما نُقل عن الأصل الذي أُخذ منه نص اللحن، ليس موجودًا أصلًا في النص الأصلي ((صفحة أسالك فتعلمني
على فيسبوك: منشور حول لحن افرحي يا مريم. )).
بالتالي، قبل أن نبني موقفًا لاهوتيًا كاملًا على هذا الربع، ينبغي أن نسأل أولًا: هل هو جزء أصيل من النص؟ أم إضافة لاحقة؟
وهنا يصبح الرجوع إلى المصدر والنص الأصلي أهم من كثرة الكلام حول تفسير شيء لم يكن موجودًا من الأساس.
لكن بالنسبة لي، الأهم من الربع نفسه هو مفهوم الشفاعة.
هل المسيح يحتاج مَن يستعطفه لأجلنا؟
نحن لا نحتاج إلى العذراء أو القديسين لكي تكون لهم دالّة عند الابن يسوع، فيذهبوا إليه ليتوسلوا من أجلنا وكأن المسيح بعيدٌ عنا أو مترددٌ في الاستجابة، وهم يحاولون إقناعه بأن يرحمنا. هذا التصور، إن قُدِّم بهذه الصورة، يضع المسيح في مواجهة مع محبته، وكأن هناك مَن هو أكثر حنانًا بنا منه!
من غير المنطقي ولا الإيماني أن نحتاج إلى مَن يُلين قلب المسيح ليتحنن علينا، لأن قلبه هو أصل الخلاص ومصدر المحبة.
ما هي الشفاعة الحقيقية؟
هي شفاعة الإنسان يسوع المسيح، فالكتاب المقدس يضعه في مركز الشفاعة:
لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح.(رسالة بولس اﻷولى إلى تيموثاوس 2: 5)
يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار.(رسالة يوحنا الأولى 2: 1)
من هو الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات، بل بالحري قام أيضا، الذي هو أيضا عن يمين الله، الذي أيضا يشفع فينا.(رسالة بولس إلى رومية 8: 34)
فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم.(رسالة بولس إلى العبرانيين 7: 25)
فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات، يسوع ابن الله، فلنتمسك بالإقرار. لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا، بل مجرب في كل شيء مثلنا، بلا خطية. فلنتقدم بثقة إلى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد نعمة عونا في حينه.(رسالة بولس إلى العبرانيين 4: 14- 16)
شفاعة يسوع المسيح ليست تذللًا أمام الآب، ولا استجداءً، ولا استعطافًا لكي يغيّر الآب موقفه من الإنسان. المسيح يشفع لأنه الابن الواحد مع الآب في الجوهر، ولأنه رئيس الكهنة الذي دخل إلى الأقداس من أجلنا، وصار لنا فيه طريق إلى الآب. إذن، لا توجد منافسة بين المسيح والقديسين في الشفاعة. المسيح هو الوسيط الوحيد، والقديسون أعضاء جسده الواحد.
إذن ماذا نفعل بالقديسين؟
هنا تحديدًا يَحدث الالتباس. القديس ليس «وسيطًا بديلًا عن المسيح»، ولا شخصًا يقف بيننا وبين المسيح لكي يسمح لنا بالوصول إليه.
نحن والقديسون أعضاء في جسد واحد: جسد المسيح. والعضو الحي لا يعيش منفصلًا عن باقي أعضاء الجسد. نحن نصلي من أجل بعضنا، ونطلب صلوات بعضنا، ونشدد بعضنا، ونحمل بعضنا في الصلاة؛ لأننا لسنا أفرادًا متجاورين، بل أعضاء في جسد واحد حي.
فإذا طلبت من أخي على الأرض: «صلِّ من أجلي»، فأنت لا تقول إن أخاك صار وسيطًا بديلًا عن المسيح. وبالمثل، حين تطلب صلوات القديسين، فأنت لا تنقل مركز الشفاعة من المسيح إليهم؛ بل تعلن أنك تؤمن بأن جسد المسيح حي، وأن الموت لم يكسر شركة الجسد.
هل المشكلة في كلمة «شفاعة»؟
ليست المشكلة في “كلمة” بقدر ما هي في الصورة التي نضعها وراء الكلمة.
إذا كانت الشفاعة تعني أن القديس أقرب إلى المسيح مِنّك، وأن المسيح لن يسمعك إلا إذا ذهب القديس إليه، فهذه صورة مشوّهة.
أما إذا كانت الشفاعة تعني شركة أعضاء جسد المسيح في الصلاة، داخل حياة المسيح الواحد، فهنا نحن أمام معنى مختلف تمامًا.
لذلك ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف عن الجدل والـ”خناق” حول المصطلحات، ونعود إلى الحقيقة التي وراءها: المسيح هو رأس الجسد، ونحن والقديسون أعضاء في الجسد.
وأخيرًا… المشكلة الأعمق..
الحقيقة المُرّة أن الذين يحاربون الشفاعة، والذين يدافعون عنها بعصبية، قد يتحولون أحيانًا إلى فريقين متخاصمين، كل فريق يريد أن ينتصر في المناظرة أكثر مما يريد أن يعيش في المسيح. وهنا تصبح المشكلة أكبر من «هل نقول شفاعة أم لا؟».
السؤال الحقيقي هو: هل نحن نعيش شركة الثالوث، وشركة جسد المسيح؟ أم نعيش في عقلية الجماعات ونزاعات وإنشقاقات وخناقات لاهوتية؟
لأن الإنسان الذي يعيش في شركة المسيح لن يرى القديسين منافسين للمسيح، ولن يرى المسيح محتاجًا إلى واسطة من القديسين.
في دائرة المحبة الإلهية لا توجد منافسة ولا تنافر. الابن هو مركز كل شيء، والكنيسة جسده، والقديسون أعضاء جسده، ونحن أعضاء معه.
ولذلك فالشفاعة المسيحية، في أعمق معناها، ليست أن نضع أحدًا بيننا وبين المسيح، بل أن نكتشف أننا لم نعد وحدنا أمام المسيح أصلًا؛ نحن أعضاء في جسده الواحد.
هنا ينتهي الصراع، وتبدأ الشَرِكَة.