7 – الأسينيون
هذه الطائفة غير مذكورة في الكتاب المقدس، ولكنها مشروحة بالتفصيل عند المؤرخ يوسيفوس فلاڤيوس ((Josephus, Wars of the Jews, II, 8, 2 )) كواحدة من الثلاثة مذاهب الفلسفية عند اليهود.
وأول من دُعيَ بهذا الاسم ذَكَرَه المؤرخ يوسيفوس عام 110 ق م ويسمى يوداس
. ((Josephus, Antiquities of the Jews, XIII: 11, 12; Wars of the Jews, I: 3, 5 )) ولكن لا توجد شواهد للجماعة حتى عصر العهد الجديد، حينما بلغ عددهم حوالي أربعة آلاف شخص، بعضهم سكن في القرى، ولكن معظمهم سكنوا في ملاجىء رهبانية، أساسًا في بقاع الصحراء في غرب البحر الميت.
يوصف الأسينيون أحيانًا بأنهم مذهب صارم نبع من الفريسيين، الذين اشتركوا معهم في بعض النقاط مثل الصرامة في احترام الطقوس، وخاصة قرابين الهيكل، والاحتراس من النجاسة، والتأكيد على الممارسات التقشفية (أي النسك بوجه عام). أما الأسقف لايتفوت
فقد اقترح أن يكون معنى اسمهم مشتق ما بين السرياني “تقي،” والعبري “الساكت” أو “الصامت” Chasha، وهو يفضل التفسير الأخير. ((Bishop J. B. Lightfoot, Epistle to the Colossians. Introduction ))
كما أنهم لم يرفضوا تقدمات الهيكل فقط؛ بل تمسكوا بكهنوتية بلا لاويين، ولذا فلم يحوزوا طعامًا لهم إلا وجبتهم النباتية اليومية. وقد أحكموا فن التنبؤ Art of divination، الذي أشار إليه يوسيفوس إن تنبؤاتهم كانت مقبولة ((Josephus, Ant. 13, 3; XV: 10, 5 )).
وكمثل الصوفيون عمومًا، فإنهم احتقروا الجسد وتبنَّوا نظرية خلود الروح بدون قيامة؛ ولذا كان مستوى أخلاقهم وطهارتهم الأدبية عاليًا.
الأسينيون عند يوسيفوس (قرن أول)
يقول يوسيفوس فلاڤيوس في معرض حديثه عن الطوائف اليهودية فيما يختص بطائفة الأسينيون:
هناك ثلاث فرق فلسفية بين اليهود. أتباع الأولى هم الفريسيون؛ والثانية الصدوقيون؛ والفرقة الثالثة، التي تدَّعي انضباطًا أشد صرامة، يُسمَّون الأسينيين. وهؤلاء الأخيرون يهود بالمولد، ويبدو أن لهم مودة لبعضهم بعضًا أعظم مما للفرق الأخرى. هؤلاء الأسينيون يرفضون اللذات باعتبارها شرًا، لكنهم يعتبرون العفة والتغلب على الأهواء فضيلة. وهم يهملون الزواج، لكنهم يختارون أبناء غيرهم، إن كانوا قابلين للتعلم، ويعدُّونهم من ذوي قرابتهم، ويشكلونهم وفقًا لعاداتهم الخاصة. وهم لا ينكرون تمامًا ملاءمة الزواج واستمرار نسل البشر به؛ لكنهم يحترسون من السلوك الشهواني للنساء…
هؤلاء الرجال محتقرون للثروات، وكرماء فيما بينهم إلى حد يثير إعجابنا. ولا يوجد أحد بينهم له أكثر من الآخر؛ فهناك قانون بينهم أن أولئك الذين يأتون إليهم يجب أن يجعلوا ما لديهم مشتركًا للجماعة كلها، حتى إنه بينهم جميعًا لا يوجد مظهر للفقر، أو فائض من الثروات، بل ممتلكات كل واحد مختلطة بممتلكات الآخرين؛ وهكذا يوجد، كما لو كان، ميراث واحد بين جميع الإخوة. وهم يعتقدون أن الزيت نجاسة؛ وإذا ادهن أحدهم دون موافقته الخاصة، فإنه يمسح الزيت عن جسده؛ لأنهم يعتقدون أن التعرق شيء أفضل، كما يفضلون أيضًا أن يكونوا لابسين الثياب البيضاء. ولديهم أيضًا من يعملون للعناية بشؤونهم المشتركة. ليس لأي واحد منهم عمل منفصل لأي غرض، بل ما هو نافع للجماعة كلها…
وإذا جاء ضيف من فرقتهم من أماكن أخرى، فإن ما لديهم يكون متاحًا للجميع، تمامًا كما لو كان ملكهم الخاص؛ ويدخلون على من لم يعرفوهم من قبل، كما لو كانوا على معرفة بهم منذ زمن طويل. ولهذا السبب لا يحملون شيئًا على الإطلاق معهم عندما يسافرون إلى أماكن نائية، ومع ذلك فإنهم يأخذون أدوات الدفاع عن أنفسهم، خوفًا من اللصوص. وبناء على ذلك، يوجد في كل مدينة يعيشون فيها شخص معين خصيصًا للعناية بالغرباء، وتوفير الملابس وغيرها من الضروريات لهم. لكن هيئة أجسادهم وتدبيرها مثل ما يستخدمه الأطفال الذين يخافون أساتذتهم [يقصد بساطتهم وحسن طويتهم في السلوك]. ولا يسمحون بتغيير الثياب أو الأحذية حتى يتمزق إربًا إربًا، أو يبلى بمرور الزمن. ولا يشترون ولا يبيعون شيئًا لبعضهم بعضًا؛ بل كل واحد منهم يعطي ما لديه لمن يحتاج إليه، ويأخذ منه مرة أخرى بدلًا منه ما قد يكون مناسبًا لنفسه؛ وعلى الرغم من عدم وجود مكافأة، يُسمح لهم تمامًا أن يأخذوا ما يريدون ممن يشاؤون.
وأما تقواهم نحو الله، فهي غير عادية؛ فقبل شروق الشمس لا يتكلمون بكلمة عن الأمور الدنيوية، بل يقدمون بعض الصلوات التي تسلموها من آبائهم، كما لو كانوا يتضرعون لشروقها [أي شروق الشمس]. بعد ذلك يرسل كل واحد منهم العاملون معهم، ليمارس بعض تلك الفنون التي يتقنها، التي يعملون فيها باجتهاد عظيم حتى الساعة الخامسة [أي الحادية عشر صباحًا]. بعد ذلك يجتمعون مرة أخرى معًا في مكان واحد؛ وعندها يلبسون ملابس بيضاء، ثم يغسلون أجسادهم بالماء البارد. وبعد انتهاء هذا التطهير، يجتمعون معًا في مسكن خاص بهم، ولا يسمح لأي من فرقة أخرى بالدخول إليهم؛ بينما يذهبون، بطريقة منظمة، إلى غرفة الطعام، كما إلى هيكل مقدس، ويجلسون بهدوء؛ وعندها يضع الخباز أمامهم الأرغفة مرتبة؛ والطباخ أيضًا يجلب طبقًا واحدًا من نوع واحد من الطعام، ويضعه أمام كل واحد منهم؛ ويقول كاهن صلاة الشكر قبل الطعام؛ ومن غير المشروع لأحد أن يذوق الطعام قبل قول صلاة الشكر. نفس الكاهن، عندما يتناول العشاء، يقول صلاة الشكر مرة أخرى بعد الطعام؛ وعندما يبدأون، وعندما ينتهون، يسبحون الله، باعتباره الذي يهبهم طعامهم؛ بعد ذلك يخلعون ثيابهم البيضاء، ويعودون إلى أعمالهم مرة أخرى حتى المساء؛ ثم يعودون إلى البيت للعشاء، بنفس الطريقة؛ وإذا كان هناك أي غرباء، فإنهم يجلسون معهم. ولا يوجد هناك أي صخب أو اضطراب ليدنس بيتهم، بل يعطون كل واحد الإذن ليتكلم بدوره؛ وهذا الصمت المحفوظ في بيتهم يبدو للغرباء كسرٍّ رهيب؛ وسبب ذلك هو ذلك الاعتدال الدائم الذي يمارسونه، ونفس القدر المحدد من الطعام والشراب المخصص لهم، وهو قدر كاف بوفرة لهم.
أما بالنسبة للأشياء الأخرى، فإنهم لا يفعلون شيئًا إلا وفقًا لترتيبات المنظمين للجماعة. فقط هناك أمران يمكن أدائهما بينهم بإرادة كل واحد الحرة، وهما: مساعدة من يحتاج إلى المساعدة، وإظهار الرحمة؛ فهم مسموح لهم من تلقاء أنفسهم أن يقدموا العون لمن يستحقه، عندما يكون في حاجة إليه، وأن يهبوا طعامًا لمن هم في ضيق؛ لكنهم لا يستطيعون إعطاء أي شيء لأقاربهم. ويصرفون غضبهم بطريقة عادلة، ويكبحون شغفهم. وهم أمناء في الأمانة، وهم سفراء للسلام؛ ومهما يقولون فيكون أثبت من اليقين؛ أما عن القسم فإنهم يتجنبونه، ويعدُّونه أسوأ من الحنث، لأنهم يقولون إن من لا يمكن تصديقه دون القسم بالله فهو مدان بالفعل. وهم يبذلون جهودًا كبيرة في دراسة كتابات القدماء، ويختارون منها ما هو أكثر فائدة لأنفسهم وأجسادهم…
ولكن الآن إذا كان لأحد رغبة في الانضمام إلى فرقتهم، فإنه لا يُقبل فورًا، بل يوصف له نفس طريقة المعيشة التي يستخدمونها لمدة سنة، بينما يبقى مستبعدًا؛ ويعطونه أيضًا فأسًا صغيرة، وحزام يعلق على الكتف، وثوبٍ أبيض. وعندما يقدم دليلًا، خلال ذلك الوقت، على أنه يستطيع مراعاة العفة، فإنه يقترب أكثر من طريقة معيشتهم، ويصبح شريكًا في مياه التطهير؛ ومع ذلك فهو ليس حتى الآن مقبولًا للعيش معهم؛ فبعد إظهار جديته في الحياة معهم، يجرب معيشته بينهم سنتين أخريين؛ وإذا ظهر أنه جدير، فإنهم يقبلونه حينئذ في مجتمعهم. وقبل أن يُسمح له بلمس طعامهم المشترك، فإنه ملزم بأخذ تعهد صارم: أنه في المقام الأول، سيمارس التقوى نحو الله، ثم أنه سيراعي العدل نحو الناس، وأنه لن يؤذي أحدًا، سواء من تلقاء نفسه، أو بأمر من الآخرين؛ وأنه سيكره الأشرار دائمًا، ويكون مساعدًا للأبرار؛ وأنه سيُظهر الأمانة لجميع الناس، وخاصة لأولئك الذين في السلطة، لأنه لا أحد ينال مسؤولية التدبير دون معونة الله؛ وأنه إذا كان في سلطة، فلن يسيء استخدام سلطته في أي وقت كان، ولا يسعى إلى التفوق على رعاياه سواء في ثيابه، أو أية زينة أخرى؛ وأنه سيكون محبًّا للحق على الدوام، وأنه سيحفظ يديه طاهرتين من السرقة، ونفسه من المكاسب غير المشروعة؛ وأنه لن يخفي شيئًا عن أولئك الذين هم من فرقته، ولا يكشف أي من عقائدهم للآخرين، كلا، ولا حتى لو أجبره أحد على فعل ذلك مخاطرة بحياته. وعلاوة على ذلك، يقسم بألا ينقل عقائدهم إلى أحد بأية طريقة أخرى غير كما تسلمها هو نفسه؛ وأنه سيمتنع عن السرقة، وسيحفظ بالتساوي الكتب التي تخص فرقتهم، وأسماء الملائكة أو الرسل. هذه هي التعهدات التي يُلزمون بها مريديهم.
أما بالنسبة لأولئك الذين يقبض عليهم في أية خطايا شنيعة، فإنهم يطردونهم من مجتمعهم؛ والذي ينفصل عنهم هكذا كثيرًا ما يموت بطريقة بائسة؛ فكما أنه مقيَّد باليمين التي أخذها، وبالعادات التي انخرط فيها، فهو ليس حرًا في الاشتراك في ذلك الطعام الذي يجده في مكان آخر، بل يضطر إلى أكل العشب، وتجويع جسده بالجوع، حتى يهلك؛ ولهذا السبب يستقبلون كثيرًا منهم مرة أخرى عندما يكونون في الرمق الأخير، شفقة عليهم، معتبرين الشقاء الذي تحملوه حتى وصلوا إلى حافة الموت ذاتها عقوبة كافية للذنوب التي كانوا مذنبين بها.
لكن في الأحكام التي يمارسونها فهم غاية في الدقة والعدل، ولا يصدرون حكمًا بأصوات محكمة أقل من مائة. وما يقرر مرة بهذا العدد، فهو غير قابل للتغيير أو النقض. وأما ما يكرمونه أكثر من كل شيء، بعد الله نفسه، فهو اسم مشرعهم “موسى”، الذي إذا جدف عليه أحد فإنه يعاقب بالإعدام. ويعتقدون أيضًا أنه أمر جيد أن يطيعوا شيوخهم، أو رأي الأكثرية. وبناء على ذلك، إذا كان عشرة منهم جالسين معًا، فلن يتكلم أحد منهم بينما التسعة الآخرون ضده. كما يتجنبون البصق في وسطهم، أو على الجانب الأيمن. وعلاوة على ذلك، فهم أشد من أي يهودي آخر في اتباع الراحة من أعمالهم في اليوم السابع؛ فهم لا يجهزون طعامهم في اليوم السابق فقط، لكي لا يضطروا إلى إشعال نار في ذلك اليوم، بل لن ينقلوا أي إناء من مكانه، ولا يذهبون لقضاء الحاجة، بل في الأيام الأخرى يحفرون حفرة صغيرة، بعمق قدم، بمجرفة وهي نوع من الفؤوس التي تعطى لهم عندما يقبلون أولًا في الجماعة؛ وملتفين حول أنفسهم بثوبهم، لكي لا يهينوا أشعة النور الإلهية، يقضون حاجتهم في تلك الحفرة، بعد ذلك يضعون التراب الذي حفر مرة أخرى في الحفرة؛ وحتى هذا لا يفعلونه إلا في الأماكن الأكثر عزلة، التي يختارونها لهذا الغرض؛ وعلى الرغم من أن قضاء الحاجة هذا طبيعي، إلا أنه قاعدة عندهم أن يغتسلوا بعده، كما لو كان نجاسة لهم.
والآن بعد انتهاء وقت تجربتهم الإعدادية، يقسمون إلى أربع طبقات؛ وبقدر ما يكون الأحداث أدنى من الشيوخ، فإنه إذا لمس الشيوخ الأحداث، وجب عليهم أن يغتسلوا، كما لو كانوا قد اختلطوا بصحبة أجنبي. وهم طوال الأعمار، حتى إن كثيرًا منهم يعيش فوق مائة سنة، بسبب بساطة نظامهم الغذائي؛ بل، كما أعتقد، بسبب مسار الحياة المنتظم الذي يلاحظونه أيضًا. وهم يحتقرون بؤس الحياة والألم، بوعي عقولهم. وأما الموت، إذا كان لمجدهم، فإنهم يُعدُّونه أفضل من الحياة؛ وبالفعل حربنا مع الرومان أعطت دليلًا وافرًا على عظم نفوسهم في محنهم، حيث، على الرغم من أنهم عذبوا وشوهوا، وأحرقوا ومزقوا إربًا إربًا، ومرت بهم جميع أنواع أدوات العذاب، لكي يجبروا إما على التجديف على مشرعهم، أو على أكل ما حرم عليهم، ومع ذلك لم يستطع أحد أن يجبرهم على فعل أيًّا من تلك الأفعال. كلا، ولا مرة ليتملقوا معذبيهم، أو ليذرفوا دمعة؛ بل ابتسموا في آلامهم ذاتها، وسخروا من أولئك الذين أنزلوا العذابات بهم، وأسلموا أرواحهم بسرور عظيم، متأكدين أنهم سوف يستردونها مرة أخرى.((Josephus, Wars of the Jews, Chapter 8, 2-13 ))
فعقيدتهم هي هذه: أن الأجساد قابلة للفساد، وأن المادة التي صنعت منها ليست دائمة؛ لكن الأرواح خالدة، وتستمر إلى الأبد؛ وأنها تأتي من أرق هواء، وتتحد بأجسادها كسجون، التي تنجذب إليها بانجذاب طبيعي معين؛ ولكن عندما تتحرر من قيود الجسد، فإنها حينئذ، كمحررة من عبودية طويلة، تفرح وتصعد إلى الأعلى. وهذا مثل آراء اليونانيين، أن الأرواح الصالحة لها مساكنها وراء المحيط، في إقليم لا تثقله عواصف المطر أو الثلج، أو الحرارة الشديدة، بل إن هذا المكان هو مثل ما ينعشه النسيم اللطيف للريح الغربية، التي تهب باستمرار من المحيط؛ بينما يخصصون للأرواح الشريرة وكرًا مظلمًا وعاصفًا، مليئًا بعقوبات لا تنقطع أبدًا…. هذه هي العقائد الإلهية للأسينيين عن الروح، التي تضع طعمًا لا مفر منه لمن ذاق فلسفتهم مرة.(يوسيفوس فلاڤيوس، حروب اليهود ٨ )
الشكل العام للجماعة
كانت مظاهر الهندام والنظافة صارمة: الزي الموحد هو رداء من الكتان الأبيض، وشارات رمزية عبارة عن قطعة جلدية تعلق على الكتف، وجاروف صغير لدفن أي نجاسات. وكان المتقدم للانضمام يلتزم بالنسك ليس فقط عن الخمر بل أيضًا عن أي طعام حيواني؛ والدَهْن بالزيت كان ممنوعًا كترف مرفوض. وكان محفوظًا كعلامة للكمال أن يُقسم المتقدم بترك حالة الزواج. وبالإضافة، فوحدانية المتاع كانت أساسية.
الأسينيون عند فيلو السكندري (20 ق.م – 50م)
يقول العلامة فيلو، وقد كان معاصرًا للرب يسوع، موضحًا ما عرفه عن الأسينيين هكذا:
هناك طائفة من هؤلاء القوم [اليهود] تدعى الأسينيين، يبلغ عددهم في رأيي أكثر من أربعة آلاف بقليل، الذين يستمدون اسمهم من تقواهم… هم فوق كل الناس مكرسون لخدمة الله، لا يذبحون الحيوانات الحية كقرابين، بل يحرصون بالأحرى على حفظ عقولهم في حالة من القداسة والطهارة.
وهؤلاء الرجال، في المقام الأول، يعيشون في القرى، متجنبين كل المدن بسبب الفوضى المعتادة لدى سكانها، عالمين جيدًا أن مثل هذا المرض الأخلاقي [أي الفوضى] ينتقل من مخالطة الأشرار، تمامًا كما قد ينتقل مرض حقيقي في جو ملوث، وأن هذا سيطبع نفوسهم بشر لا شفاء منه.
ومن هؤلاء الرجال من يفلِّح الأرض، ومنهم من يكرس نفسه لتلك الفنون التي هي ثمرة السلام، فينفعون بذلك أنفسهم وكل من يتصل بهم، غير مكتنزين لثروات من الفضة والذهب، ولا حيازتهم لمساحات شاسعة من الأرض بدافع الرغبة في إيرادات وافرة؛ بل موفرين كل ما هو ضروري للاحتياجات الطبيعية للحياة؛ … إنهم مع ذلك يعدون أغنياء جدًا، إذ يعتبرون القناعة والبساطة غنىً عظيم، كما هي في الحقيقة. ولن تجد بين هؤلاء الرجال من يصنع السهام، أو الرماح، أو السيوف، أو الخوذ، أو الدروع، أو التروس؛ ولا صانعي أسلحة أو آلات عسكرية؛ ولا أحد، باختصار، يهتم بأي عمل كان متصل بالحرب، أو حتى بأي من تلك المهن التي في وقت السلم يمكن أن تنحرف بسهولة لأغراض شريرة؛ فهم يجهلون كل تجارة، وكل معاملات تجارية، وكل ملاحة بحرية، بل ينبذون ويبتعدون عن كل ما يمكن أن يقدم أي إغراء للطمع. وليس هناك عبد واحد بينهم، بل هم جميعًا أحرار، يعين بعضهم بعضًا على الخدمات الطيبة؛ وهم يدينون نظام السادة، لا لكونه ظالمًا فحسب، من حيث أنه يفسد مبدأ المساواة نفسه؛ بل أيضًا لكونه كفرًا، لأنه يدمر أنظمة الطبيعة التي ولدتهم جميعًا على قدم المساواة، وربتهم كأم، كما لو كانوا جميعًا إخوة شرعيين، ليس بالاسم فقط، بل في الحقيقة والواقع. أما في نظرهم فإن هذه العلاقة الطبيعية لجميع البشر بعضهم ببعض قد أصابها الاضطراب بسبب الطمع المتعمد، الذي يرغب باستمرار في التفوق على الآخرين في الكسب غير المشروع، والذي ولَّد لذلك الاغتراب بدلًا من المودة، والكراهية بدلًا من الصداقة؛ وتاركين الجزء المنطقي من الفلسفة – باعتباره غير ضروري على الإطلاق لاكتساب الفضيلة – لصائدي الألفاظ، والجزء الطبيعي، باعتباره أسمى من أن تدركه الطبيعة البشرية، لأولئك الذين يحبون الحديث عن المواضيع السامية [إلا بقدر ما تأخذ مثل هذه الدراسة في الاعتبار التأمل في وجود الله وخلق الكون]، فإنهم يكرسون كل اهتمامهم للجزء الأخلاقي من الفلسفة، مستخدمين كمعلمين لهم شرائع بلدهم التي كان من المستحيل على العقل البشري أن يبتكرها دون إلهام إلهي…
لكن بشكل خاص في اليوم السابع، الذي يُعد يومًا مقدسًا، يمتنعون فيه عن جميع الأعمال الأخرى، ويترددون على الأماكن المقدسة التي تسمى المجامع، وهناك يجلسون حسب أعمارهم في صفوف، الأصغر سنًا جالسًا تحت الأكبر سنًا، ويصغون بانتباه شديد بنظام لائق. ثم يأخذ أحدهم الكتاب المقدس ويقرأه، ويتقدم آخر من أكثر الرجال خبرة ويشرح ما ليس مفهومًا، لأن كثيرًا من الوصايا ملقاة بأساليب تعبير كأمثال، ومجازية، كما كانت العادة القديمة؛ وهكذا يتعلم الشعب التقوى، والقداسة، والعدل، والتدبير، وعلم تدبير الدولة، ومعرفة الأشياء التي هي بطبيعتها جيدة، أو سيئة، أو محايدة، وأن يختار ما هو حق ويتجنب ما هو باطل، مستخدمين تنوعًا ثلاثيًا من التعاريف، والقواعد، والمعايير، وهي: محبة الله، ومحبة الفضيلة، ومحبة البشر.
وبناء على ذلك، فإن الأسفار المقدسة تقدم عددًا لا حصر له من الأمثلة على المَيل المكرس لمحبة الله، وعلى الطهارة المستمرة غير المنقطعة طوال الحياة كلها، وعلى التجنب الدقيق للإيمان والكذب، وعلى التمسك الصارم بمبدأ اعتبار الإله سببًا لكل ما هو خير وليس سببًا لشيء مما هو شر. وهي تقدم لنا أيضًا أدلة كثيرة على محبة الفضيلة، مثل الامتناع عن كل طمع في المال، وعن الطموح، وعن الانغماس في الملذات، والاعتدال، والتحمل، وكذلك القناعة، والبساطة، وحسن المزاج، وعدم التكبر، وطاعة القوانين، والثبات، وكل ما من هذا القبيل؛ وأخيرًا، فإنها تقدم كأدلة على محبة البشر، وحسن النية، والمساواة التي تفوق كل وصف، والأخوة، التي شرحها بديهي. في المقام الأول، إذن، لا يوجد أحد له بيت كملكية خاصة مطلقة به، بحيث لا يكون بمعنى ما ملكًا للجميع أيضًا: فبالإضافة إلى أنهم جميعًا يسكنون معًا في جماعات، فإن البيت مفتوح لجميع ذوي الآراء المشتركة، الذين يأتون إليهم من جهات أخرى؛ ثم هناك مخزن واحد بينهم جميعًا؛ ونفقاتهم كلها مشتركة؛ وثيابهم ملك لهم جميعًا بالاشتراك؛ وطعامهم مشترك، لأنهم جميعًا يأكلون في موائد جماعية؛ فليس هناك شعب آخر يمكنك أن تجد عنده الاستعمال المشترك لنفس البيت، والتبني المشترك لنمط واحد من المعيشة، والاستعمال المشترك لنفس المائدة واضح أكثر الوضوح عند هذه الطائفة: وهذا طبيعي جدًا، فمهما كان ما يستلمونه مقابل أجورهم بعد عملهم خلال النهار، فإنهم لا يحتفظون به كملك لهم، بل يجلبونه إلى المال العام المشترك، ويعطون أي فائدة يمكن أن تستمد منه لجميع من يرغب في الانتفاع بها. أما المرضى فلا يتم إهمالهم لأنهم غير قادرين على المساهمة في المال العام المشترك، بقدر ما أن الطائفة لديها في مخزونها العام وسيلة لسد احتياجاتهم ومساعدة ضعفهم، حتى إنهم من مواردها الوفيرة يدعمونهم بسخاء وبوفرة؛ وهم يكنون الاحترام لشيوخهم، ويكرمونهم ويعتنون بهم، تمامًا كما يكرَّم الآباء ويُعتنى بهم من قبل أبنائهم الشرعيين: مدعومين منهم بسخاء، سواء بجهودهم الشخصية، أو بتدابير لا حصر لها.
بمثل هؤلاء الممارسين الدؤوبين للفضيلة تُصنع الفلسفة الحقيقية، دون تصنُّع… وقد تعلم الناس من فضيلة هؤلاء الرجال، إذ نظروا إليهم كأحرار بالطبيعة، وهم دائمًا مبتهجين مع كل إخوتهم. وأما عن احتفالهم حين يشتركون في الطعام معًا، مع إخوتهم بعضهم مع بعض، فإنهم يمارسون ذلك بحسن نية تجاه بعضهم بعضًا، وهو دليل وافٍ على حياة كاملة وسعيدة معًا.(( Philo, Every Good Man is Free, XII (75-91) ))(Philo, Every Good Man is Free)
جدير بالذكر إن جماعة الأسينيين قد تضاءلت بسرعة، ولم يُسمع عنهم بعد خراب أورشليم عام 70 ميلادية؛ بالرغم من ظهور تعاليمهم مرة ثانية من حين إلى آخر، كما في حالة الثيرابيوتا، وهم جماعة مشابهة للأسينيين، وسيأتي الكلام عنهم قريبًا.