سبق ونشرنا هذا العرض، فور صدور الموسوعة، ((القمص كيرلس عبد المسيح حنا، موسوعة حكمة الآباء المصريين في ترتيب قراءات السنَة الليتورجية (القطمارس)، الفشن، بني سويف. )) وكنا ننتظر أن تبادر الكنيسة باعتمادها كواحدة من المراجع التعليمية خاصة في معاهدها اللاهوتية الإكليريكية، وأن تجد لها مكانا يليق بها ضمن برامج ومناهج مدارس الأحد واجتماعات الشباب، ومؤتمرات أسقفية الشباب. لكن شئ من هذا لم يحدث رغم مناشدات كثيرين لتطوير وتعميق التعليم الكنسي، وحاجة كنيسة اليوم لذلك، في مواجهة طوفان التعاليم المفارقة للحس الأرثوذكسي والمستغرقة في الغيبيات والتعليم الانطباعي المفتقر للظهير الآبائي المبني على خبراتهم واستيعابهم لكلمة الله.
لعل إعادة نشر اطلالتنا تجد من ينتبه للقصور في التعاطي مع هذه الموسوعة، في إدارك أن الإصلاح الذي ننشده جميعًا يبدأ بالتعليم. وأحسب إعادة النشر رسالة للكنيسة ولقداسة البابا تواضروس الثاني الذي كتب مقدمتها احساسًا منه بأهميتها.
إطلالة على الدراسة
هي دراسة تحليلية لمنظومة القراءات الكنسية اليومية التي يتضمنها طقس الليتورجية في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وإذا كانت الليتورجية هي مخزون اللاهوت الأرثوذكسي، وسر بقاء الكنيسة حتى اليوم، فإن القراءات اليومية هي المعلم اللاهوتي الأول والأهم للكنيسة، ولذلك وضعها الآباء ضمن قداس الموعوظين، ليدركوا إيمانها وقبول دعوتها إليهم للانضمام لصفوف مؤمنيها، بوعي وفهم. وعندما اكتمل بنيان الكنيسة احتفظت القراءات بصدارة صلوات الليتورجية، تعلم وتثبت إيمان كل الرعية.
قراءات السنة الليتورجية يضمها مجموعة كتب تسمى قطمارسات ومفردها “قطمارس” وهو الكتاب الذي يحوي فصول القراءات المختارة من الكتاب المقدس التي تقرأ بامتداد السنة الليتورجية يومًا بيوم في قداس الكلمة.
الدراسة تبحث في المعاني والتعاليم اللاهوتية والإنسانية والكنسية التي رتب بموجبها الآباء المصريين هذه القراءات، التي تكشف قدر استنارتهم بالنعمة الإلهية، فصاروا حكماء، وصارت لهم معرفة عميقة بالكتب؛ بحسب تعبير القديس كيرلس السكندري.
الدراسة تنتهي إلى “الإيقان بأن الإيمان الرسولي المسلم لنا بالتقليد من الآباء ـ الذي ينتقل من جيل إلى جيل ـ هو محفوظ في القداسات وغيرها من ليتورجيات ونصوص محققة وموثوقة وكتابات وتعاليم الآباء وحياتهم، ومحفوظ أيضًا في ترتيب كتب القطمارس بعمق”.
وقد نكون بحاجة إلى التعرف على معنى كلمة “ليتورجيا” في كنيسة العهد الجديد، دعونا نقرأ التعريف الذي ورد في كتاب “معجم المصطلحات الكنسية” للراهب القس أثناسيوس المقاري؛ يقول:
كلمة “ليتورجيا” تتكون من مقطعين هما “ليئوس” أي شعب، و”أرغون” أي عمل، فيكون معنى الكلمة “عمل شعبي”… ويستخدم كتاب العهد الجديد كلمة “ليتورجيا” مرتين كمرادف للعبادة المسيحية ((إنجيل لوقا 23:1 )) و ((سفر أعمال الرسل 2:13 ))… وفي كنيسة العهد الجديد انحصر استخدام الكلمة أساسًا لتشير إلى صلاة الإفخارستيا باعتبارها العمل الشعبي الأساسي في الكنيسة، فصارت الكلمة “قدَّاس”، أو “أنافورا”. كما يمكن أن نستخدم الكلمة أيضاً تتشير إلى الصلوات الطقسية فى الكنيسة بكافة أنواعها.(الراهب أثناسيوس المقاري، معجم المصطلحات الكنسية)
كان سعي الدراسة بحسب الكاتب اكتشاف ذلك العمق والوقوف على أسرار هذا الترتيب
، ويستطرد علينا أن نكتشف تلك الأسرار لما لها من صلة وطيدة بتقليد تربية الأجيال الأولى بكلمة الله، لكي نشرب معًا من ذات الينبوع الذي شرب منه قديسو وشهداء كنيستنا، ونسير جميعنا على نفس الدرب الذي سار فيه قبلنا قديسون معترفين وشهداء، حفظوا الإيمان وأتموا السعي ونالوا إكليل البر
.
وتكشف لنا الدراسة بحسب الباحث الارتباط الوثيق بين كتب القطمارس وبين الليتورجيا والأسرار الإلهية التي تُقرأ الكلمة الإلهية خلالها
. وتؤكد على أن “كلمة الله” و”الإفخارستيا” لا ينفصلان أحدهما عن الآخر، ويكونان معًا سرًا واحدًا وعطية واحدة نابعة من ينبوع واحد، أي الرب يسوع نفسه، الذي هو المذبح الحي الناطق، وهو الكاهن الحقيقي الذي يخدم كلمة وأسرار العهد الجديد، وأيضًا هو الذبيحة الناطقة السماوية الذي نتناوله في الأسرار الإلهية
.
ويكشف لنا الكاتب أن القطمارس السنوي الحالي ينتمي إلى قطمارسات وجه بحري، فقد كان لكل منطقة في مصر أو كنيسة أو دير كتاب دًلَّال قراءات خاص بها، تم ترتيبها بحسب طبيعتها واحتياجاتها، الأمر الذي يفرض على الباحث في دراسة “مخطوط أي قطمارس” أن تتم داخل النطاق المكاني والزماني الذي نشأ فيه، ومقارنته مع غيره من المخطوطات السابقة أو اللاحقة له. وهو أمر يلفت نظرنا لحاجتنا إلى تأسيس معاهد متخصصة في دراسات “القراءات الليتورجية”، وفق قواعد ومناهج عامية رصينة. ولا ندع الأمر أسير انطباعات شخصية.
وفي هذا يقول القديس كيرلس السكندري في شرحه لإنجيل يوحنا ((كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا، المجلد الثاني، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021. )).
فأظن أننا لا ينبغى بالمرة أن نَعبُر بسرعة على كلمات [حكمة] معلمينا، حتى إن كانت واضحة تمامًا، لمجرد أن نظهر أننا فاهمون، وذووا ذكاء حاد، بل بالحري نبحث عن المعنى ونفحص بكل حكمة، التعليم المقدم لنا لأجل منفعتنا، لأن معرفة ما هو نافع هو أسمى جدًا من التظاهر الكاذب بالحكمة، وأن نتعلم شيئًا ما على حقيقته هو أفضل جدًا من مجرد أن نظهر وكأننا نعرف كل شئ عنه(كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا)
يعرض لنا الكاتب منهجه في هذه الدراسة، وهو منهج تفسيري سعيًا لاستكشاف مضمون التعاليم اللاهوتية التي يقصدها ترتيب القطمارس دون إرغامه على أن يقول غير ما يريد أن يقوله. وحتى تجود القراءات بمدلولاتها التي قصد مُرتبوها أن تصل لمستمعيها
.
ويصف من رتبوا هذه القراءات بأنهم كانوا أعضاء فاعلين في مجتمعهم الحي بثقافته ولغته وطبيعته ومعيشته، أي كانوا شعبيين ولاهوتيين، علمانيين وكنسيين بآن واحد
، ويرصد الباحث انعكاس هذا على منتجهم المكتوب لذلك فإن القطمارس المصري قد تشرب حتمًا ونضج بالمزيج الثقافي والاجتماعي والشعبي المصرى آنذاك راسمًا ملامح شخصية مصر وكنيستها على صفحاته
، ويرد الباحث هذا الترتيب الكنسي الذي راعى روح وبيئة الحياة التي ينتمي إليها المستمعون إلى منهج الرب يسوع نفسه الذي شرح أسرار الملكوت بأمثال مقتبسة من الحياة اليومية في بيئة زراعية ورعوية.
ويؤكد الباحث على أن مجيء الرب يسوع إلينا وتعليمه وعطايا أسراره الإلهية، لا تعرف فصلًا لما هو سمائي عما هو أرضي.
ويضع الكاتب أمامنا نموذجًا تطبيقيًا لهذا التأثر في ترتيب قراءات القطمارس بمنهج الرب يسوع في قراءة مثل الزارع؛ الذي يقرأ في ثلاثٍ من قراءات أناجيل الأحدين الأول والثاني من شهر هاتور أي في بدء موسم الزراعة المصرية، ومن ثم يقرأ ويستمع و(يفهم) المصري تلك القراءات في القداس كفلاح يمارس فلاحته في نفس الوقت من السنة، أو كإنسان يعيش في مجتمع يحتفل شعبيًا بهذا الموسم
.
ويوضح أن هذه الإنثروبولوجية الإنجيلية والكنسية المصرية جديرة بدراستها وتقديرها لنتعلم كيف تعايش وتفاعل الآباء القديسون حُكماء القطمارس وجيلهم مع الحياة والعالم بطريقة إنجيلية ليتورجية إنسانية سوية
.
صدر للكاتب:
كتاب: الإشكالية القبطية: رؤية من الداخل ١٩٩٨
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي: شهادة ورؤية ٢٠١٦
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٩
كتاب: كنيستنا القبطية إلى أين؟ ٢٠٢٦