نستعرض في هذا الجزء موقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ كما جاء في رواية سفر الأعمال، وكيف أوضَّح كما استعرضنا سابقًا في رسائله، أن الناموس الموسويّ لا يمكن أن يُبرِّر أحدًا. وسوف نستعرض أيضًا كيف تناول سفر الأعمال قضية التهود في العصر الرسوليّ ونشأة الكنيسة، وكيف نادت جماعات متهودة داخل المجتمعات المسيحية الناشئة بضرورة الحفاظ على الناموس الموسويّ ككل، وهو ما يُنادِي به حاليًا المتهودون الجدّد، المرتدين نحو الناموسية، وكيف كان النهج الرئيسيّ لهذه الجماعات المتهودة هو مُحاولة الارتداد بالجماعات المسيحية الناشئة إلى حفظ الناموس الموسويّ. وكيف رأى بولس والكنيسة عامةً أن التهود هو الارتداد إلى حفظ الناموس الموسويّ. وكيف حذَّرت الكنيسة مُمثَّلةً في الرسل من ممارسات هذه الجماعات المتهودة، وأكَّدوا أن جميع ما يحاولون فرضه على المجتمعات المسيحية الناشئة من حفظ الناموس الموسويّ لم يأمروا به.
يبدو أن تعليم الرسل كان مُستقَى من الأسفار المقدَّسة التي كانت تحظى بمصداقيةٍ تامةٍ عند جميع اليهود، وعلى وجه الخصوص الناموس والأنبياء، ولا بد أن هذا كان ينطبق أيضًا على تلاميذ يسوع الأوائل. وهكذا فلا بد وأن التعليم المسيحيّ في بدايته كان في غالبيته ذا صبغة يهودية، والنقاط التي عدَّل فيها يسوع الناموس، أو اختلف عن تفسيرات الناموس التي كانت سائدةً، كانت تُذكَر، وأصبحت نواةً لتعليمٍ خاصٍ. وفيما كانوا يُسلِّمون هذا التعليم، كان للمُبشِّرين المسيحيين تطبيقاتهم الخاصة على أوضاعٍ لم يكن يسوع قد تعرَّض لها. وهذه الصيغة الموسَّعة لما أُؤخِذَ عن يسوع، ربما ما قصده سفر الأعمال من تعليم الرسل. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 411. ))
ويتساءل رايموند براون: هل كان المسيحيون مُلتزِمين بالقواعد اليهودية الخاصة بالأطعمة اليهودية الشرعية؟ ويجيب إن الفرضية التي تقول إن جميع الأطعمة في نظر الله طاهرةٌ من الناحية الطقسية ((سفر أعمال الرسل 10: 15 )) تُعدُّ تحلُّلاً كبيرًا من الممارسات اليهودية. توجد بعض الإشارات في العهد الجديد توحي بأن المضامين الجذرية ليسوع لا تتناغم حقًا مع النزعات والممارسات الكبرى الخاصة باليهودية. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 424، 425. )) ويتساءل براون أيضًا: هل من الضروريّ أن يُختَّتن الأمميون ليقبلوا المعمودية ونعمة المسيح؟ إن الذين يُصرُّون صراحةً أو ضمنًا على أن الأمميين لا بد وأن يُختَّنوا (أي يصبحوا يهودًا)، كانوا بذلك يعطون اليهودية أولويةً على الإيمان بالمسيح بواسطة نعمة الله. وقد وُصِفَ بطرس بأنه يرفض ذلك قولاً وفعلاً في ((سفر أعمال الرسل 10: 34-39 )). ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 425. )) إن الطابع الراديكاليّ لما عمله بطرس وكرز به واجه تحديًا في ((سفر أعمال الرسل 11: 2-3 )) من قِبَل المجتمعين في كنيسة أورشليم حيث اتهموه بقولهم: ”إنك دخلت إلى أناسٍ قُلفٍ وأكلت معهم“.
وليس من الواضح من ناحية ما إذا كان ”أهل الختان“ هؤلاء كانوا يعارضون معًا تجديد الأممين للإيمان بالمسيح أم كانوا مُصرِّين ببساطةٍ على أنه لا يمكن للأمميين أن يتجدَّدوا إلا بعد أن يتهوَّدوا. وقد ردَّ بطرس على أهل الختان بإخبارهم عن الرؤى التي رآها، وحلول الروح القدس على كُرنيليوس وأهل بيته. هذه الحجة الوجودية أفحمت أهل الختان مؤقتًا، وأدَّت إلى قبول الأمميين في الجماعات المسيحية اليهودية القائمة ((سفر أعمال الرسل 11: 18 )). ولكن الموضوع لم يكن قد حُلَّ تمامًا: كما يتبيَّن مما جاء في ((سفر أعمال الرسل 15 )) بعد وصف إرسالية نشطة إلى الأمميين. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 426. )) وقد قرَّر اجتماع أورشليم ((سفر أعمال الرسل 15: 4-29 )) أن إتباع يسوع سينتقل سريًا إلى خارج أورشليم، ويصبح ديانةً مُنفصِلةً ستصل إلى أقاصي الأرض. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 432. )) وعلى أي حالٍ، يتفق سفر الأعمال ورسالة غلاطية، على أن بطرس ويوحنا ويعقوب حافظوا على الشركة مع بولس وكنائسه الأممية. وأصبح الطريق الآن مفتوحًا للكرازة الحرة الفعَّالة إلى أقاصي الأرض. والواقع أن هذا الطريق سيؤدي أيضًا إلى ما هو بعيدٌ عن اليهودية. وعلى الرغم من أن مُخلِّص الأمم كان يهوديًا وُلِدَ تحت الناموس، فإنه سُرعان ما سيُنظَر إلى المسيحية على أنها ديانة الأمميين والغريبة تمامًا عن اليهودية، ولا سيما بالنسبة لليهودية، سيصبح الناموس أكثر أهميةً بالنسبة لها ما أن يتمَّ تدمير الهيكل. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 434. )) ونشبت الصراعات من ناحية ما إذا كان على المسيحيين الأمميين أن يلتزموا بشريعة الطعام التي يطيعها المسيحيون اليهود الذين هم شركاؤهم في الكنيسة. وقد جادل بولس بالقول إنهم ليسوا مُلزِمين بذلك. وقد اشترك بطرس في هذه الممارسة الحرة إلى أن جاء أناسٌ من عند يعقوب يُطالِبون بتعليماتٍ واضحةٍ بخصوص الشرائع الخاصة بالطعام. وقد استسلم بطرس ليعقوب، الأمر الذي أغضب بولس كثيرًا، ذلك أن خسارة بولس لهذا الدعم الهام قد تُؤثِّر على مُغادرته في إرساليته التالية. وتُبيِّن رسائل بولس أن الكنائس التي قام بتجديدها، حيث يُشكِّل المسيحيون الأمميون الأغلبية، لا يلتزم المتجدِّدون فيها بشريعة الأطعمة اليهودية. ولكن في المناطق التي ليعقوب الأورشليميّ تأثيرٌ فيها ((سفر أعمال الرسل 15: 23 )) أنطاكية وسورية حيث ربما يُشكِّل المسيحيون اليهود أغلبيةً، يلتزم الأمميون بهذه الشريعة. وقد حافظ مجمع أورشليم على الشركة (كينونيا) باعتبارها ضروريةً للتجديد، ولم يكن الأمميون مضطرين لأن يصبحوا من اليهود، برغم ذلك، لم يكن هذا يضمن التناغُّم في أسلوب الحياة. وقد رأى بولس أن التحرُّر من شريعة الأطعمة له من الأهمية التي جعلته موضوعًا خاصًا بحقيقة الإنجيل ((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 14 ))، ويبدو أن هناك مَن لا يعتقدون أن له مثل هذه الأهمية. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 435. ))
ويُعلِّق دونالد جوثري Donlad Guthrie على ختان بولس لتيموثاوس لمراعاة اليهود الذين كان سيلتقيهم في رحلاته التبشيرية ((سفر أعمال الرسل 16: 3 ))، وخضوعه هو نفسه لطقوس التطهير، ودفع كلفة حلق رؤوس بعض الرجال الذين كان عليهم نذر ((سفر أعمال الرسل 21: 23-26 )) بأن كونه يهوديًا لليهود وتقديمه تنازلات في قضايا ليست ذات أهمية لأجل ”الضعفاء“ ((مبادئ بولس الصلبة؛ أنظر رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 9: 20؛ 10: 32-33 )) يُفسِّر تصرفه في أورشليم ((سفر أعمال الرسل 21 ))، وأن بولس لم يُجادِل أبدًا ضد ختان اليهود أو اليهود المسيحيين. (( Donlad Guthrie, New Testament Introduction, (Downers Grove, III.: InterVarsity Press, 1970), p. 356. ))
لماذا الناموس الموسويّ لا يُبرِّر أحدًا؟
وبهذا يتبرر كل من يؤمن من كل ما لم تقدروا أن تتبرروا منه بناموس موسى(سفر أعمال الرسل 13: 39 )
عندما طرأت مسألة جديدة وهي دخول الوثنيين غير المختونين إلى الإيمان، أرد يهودمسيحيون أتوا من أورشليم، من عند يعقوب أخي الربِّ، أن يُكرِهوا المهتدين من العالم الوثنيّ، على ممارسة الشريعة ((رسالة بولس إلى غلاطية 1: 12؛ سفر أعمال الرسل 15: 1ي )). وفي هذا الإطار جاء كلام بولس الذي بدا قاسيًا، خصوصًا في نظرته السلبية إلى الشريعة: يتبرَّر الإنسان بالإيمان بيسوع المسيح، لا بأعمال الشريعة
((رسالة بولس إلى غلاطية 2: 16؛ رسالة بولس إلى رومية 3: 28 )). ((بولس الفغالي، القديس بولس: الإناء المختار، نشر: الأب أيوب شهوان، سلسلة دراسات بيبلية 44، لبنان: الرابطة الكتابية، 2011، ص 132. )) في هذا الإطار نتوقف أولًا عند النظرة السلبية للشريعة عند بولس الرسول، فالدراسات عديدةٌ في ذلك، وهي تذهب في أكثر من اتجاه، (( See H. Raisanen, Paul and the Law, (Tubingen, 1987); E. P. Sanders, Paul, the Law and the Jewish People, (Philadelphia, 1983). )) حيث يستخدم بولس ((رسالة بولس إلى رومية 3: 21 )) ولكن الآن، بر الله أُظهِر بدون شريعة! وشُهِدَ له من الشريعة والأنبياء
، الآن νυνι. وهي مُقابلة مع الماضي، حيث كانت أعمال الشريعة تحتل المكان الأول؛ ففي الحاضر، تبدَّلت الأمور، ولم نعد بحاجةٍ إلى شريعة. ”أُظهِر“ πεφανερωται. وهي صيغة المجهول. طريقة للدلالة على عمل الله دون ذكر اسمه العليّ. ويتبعه فعل آخر في الصيغة عينها μαρτυρομενοι، ”شُهِدَ“. عاد الرسول إلى الله نفسه ليُبيِّن أن دور الشريعة ”زال“. هي لا تنفع بعد لكي ينال الإنسان البرَّ. فهي غير قادرة أن تهب الحياة وتقود إلى المسيح. ((بولس الفغالي، القديس بولس: الإناء المختار، نشر: الأب أيوب شهوان، سلسلة دراسات بيبلية 44، لبنان: الرابطة الكتابية، 2011، ص 134. )) وهكذا يرى رايموند براون أن ما جاء في سفر أعمال الرسل ((سفر أعمال الرسل 13: 38، 39 )) يتناول موضوع أن التبرير هو بالإيمان بالمسيح وليس بحفظ الناموس ((أنظر أيضًا سفر أعمال الرسل 15: 8-9 )). ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 455-456. ))
لماذا التهود وحفظ ناموس موسى؟
ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من مذهب الفريسيين، وقالوا: إنه ينبغي أن يختنوا، ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى(سفر أعمال الرسل 15: 5)
لقد زار بولس أورشليم مرةً ثالثةً بعد بروز قضية ما إذا توجب على الأمم أن يختتنُوا لكي يخلصوا ((سفر أعمال الرسل 15: 1-5 ))، وكان قد وقف مكتوف الأيدي في ”المجمع الرسوليّ“ ((سفر أعمال الرسل 15: 6-35 ))، شاهدًا لعمل الله في سوريا وآسيا الصغرى، وحاملًا قرار الرسل -بأنه لا ينبغي على الأمم أن يختتنُوا ويحفظوا التوراة، بل كل ما توجب عليهم عمله كان الامتناع عن أكل اللحوم التي ذُبِحَت للأوثان، وعن الدم والزنى، وعن أكل لحم حيوانٍ مخنوقٍ- رجوعًا إلى الكنائس. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج1، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 516-517. ))
إذ قد سمعنا أن أناسا خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال، مقلبين أنفسكم، وقائلين أن تختتنوا وتحفظوا الناموس، الذين نحن لم نأمرهم(سفر أعمال الرسل 15: 24)
بعد أن بدأ المسيحيون اليهود الأكثر تشدُّدًا بالتعليم بأنه يتوجَّب على المسيحيين الأمم أن ”يختتنوا بحسب عادة موسى“، و”بأن يحفظوا ناموس موسى“ ((سفر أعمال الرسل 15: 1، 5 ))، اجتمعت كل الشخصيات المعنية بالقضية في ذلك الاجتماع. افتتح بطرس المداولات باستعادة الدروس التي علَّمها الله للكنيسة في حادثة كُرنيليوس ((سفر أعمال الرسل 15: 7-11 )). قدَّم بولس وبرنابا شهاداتٍ مُتطابِقةٍ تدعم بعضها بخصوص عمل الله وسط الأمم في رحلتهم الإرسالية الأولى ((سفر أعمال الرسل 15: 12 ))، فقام يعقوب بالاستنتاج المناسب ((سفر أعمال الرسل 15: 13-21 )). في هذه الحادثة، ربط لوقا بشكلٍ وثيقٍ إرسالية الأمم برسل أورشليم، الذين شكَّلوا المحور الذي كان الله بصدد تكوين وتجديد شعبه. إن رواية سفر الأعمال، مع استنادها إلى بعض نصوص العهد القديم وتشديدها على التوجُّه والإرشاد الصريح لإرسالية الكنيسة من الله بالروح القدس، ساعدت على تشريع الشكل الذي اتَّخذته الكنيسة في زمن كتابة لوقا. فهي حركةٌ أمميةٌ بامتياز وجدت نفسها في جوهر خطة الله وفي قلب شعب الله التاريخيّ، على الرغم من التناقُّض العرقيّ. ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج1، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص ِ502. ))
الخلاصة
نستخلص من هذا البحث أن هناك منظوران لموقف بولس الرسول من الناموس الموسويّ وهما: المنظور القديم التقليديّ الذي يتبنَّى وجهة نظر الإصلاح البروتستانتيّ التقليدية بأن بولس الرسول كان يُهاجِم البرَّ الناتج من أعمال الناموس، بينما يرى المنظور الجديد أن أعمال الناموس تُشِير فقط إلى علامات العهد بين إسرائيل والله وتفرُّدهم عن غيرهم من الأمم.
وبعدما استعرضنا موقف بولس من الناموس في الرسالة إلى أهل رومية، وجدنا أن بولس الرسول يُوضِّح حقيقة ظهور بر الله بدون الناموس، وأن تبرير الإنسان بالإيمان بيسوع المسيح وليس بأعمال الناموس. وكيف يُشِير بولس إلى أن الوعد بالميراث كان لإبراهيم ونسله حتى قبل ظهور الناموس الموسويّ. وهكذا يُعلِنها بولس الرسول صراحةً أنه يجب التحرُّر من الناموس.
وبعدما فحصنا موقف بولس من الناموس في الرسالة إلى أهل غلاطية، وكيف عالج مشكلة التهود التي ظهرت في كنيسة غلاطية، وجدنا أن بولس الرسول يُؤكِّد على حقيقة أن الإنسان لا يتبرَّر بأعمال الناموس، وكيف أن برُّ الناموس يُبطِل موت المسيح، وتشديده الصارم على أنه لا أحد يتبرَّر بالناموس، وكيف صارت لعنة الناموس على جميع البشر الخطأة، وتأكيده المتكرِّر على أنه لا يوجد برّ بالناموس، وأن برَّ الناموس يُبطِل البشر عن المسيح، وحثه على الانقياد بالروح وليس بالناموس.
وبعدما تناولنا موقف بولس من الناموس في الرسالة إلى أهل أفسس، وجدنا أن بولس الرسول يعلن إبطال ناموس الوصايا في الفرائض الذي شكَّلت حاجز السياج بين اليهود والأمم أمام الله. ثم قمنا باستعراض موقف بولس من الناموس في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس، وإشارته إلى خدام الروح وليس حرف الناموس، وإلى خدام العهد الجديد وليس القديم. وكيف أن خدمة الناموس كانت خدمة الموت، وأن خدمة الإنجيل والكرازة بالمسيح هي خدمة المجد، وإشارته الواضحة إلى استمرار البرقع أو الجحاب على أعين اليهود وعجزهم عن رؤية المسيح المخلِّص عند قراءتهم للعهد العتيق، وكيف أن المسيخ منحنا بخلاصه روح الحرية والعتق وليس روح العبودية.
وبعدما فحصنا موقف بولس من الناموس في الرسالة إلى العبرانيين، وجدنا أن بولس الرسول يُقرِّر حقيقة إبطال الوصية السابقة، وكيف أوضَّح ماهية وطبيعة الناموس أنه شبه السماويات وظلها، وليس له الصورة عينها، وأنه ظل للأمور والخيرات العتيدة أن تُستعلَن في شخص المسيح، وكيف أن المسيح هو وسيط عهد أعظم من العهد الموسويّ القديم، وتأكيد بولس على أنه لو كان العهد الأول بلا عيب فما كانت هناك حاجة لوجود عهد ثانٍ، وتصريحه بعتق وشيخوخة واضمحلال العهد القديم، وتشديده الواضح على انتزاع العهد الأول وتثبيت العهد الثاني.
وبعدما استعرضنا موقف بولس من الناموس في الرسالة إلى أهل فيلبي، وجدنا أن بولس يعقد مُقارنةً بين برِّ الناموس وبرِّ المسيح، ويُعلِن أنه يرفض برَّ الناموس، ويفتخر ببرِّ المسيح. ثم تطرقنا إلى موقف بولس من الناموس في الرسالة إلى أهل كولوسي، وتشديده الواضح على ماهية وطبيعة الناموس كظل الأمور العتيدة. وتتبعنا موقف بولس من الناموس في سفر الأعمال وتأكيده الواضح على أن الناموس الموسويّ لا يُبرِّر أحدًا، وكيف أوضَّح مفهوم التهود أنه المطالبة بالحفاظ على الناموس الموسويّ، وكل هذا بالتأكيد يتعارض مع ادعاءات المتهودين الجدّد الذين ينادون باستمرار الناموس الموسويّ وتقيُّد المسيحيين به حتى الآن، ويرفضون إبطاله وعدم صلاحيته في ظل العهد الجديد.
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]