نستعرض في الجزء الأول من المقال نناقش مُقارنة بولس بين برِّ الناموس وبرِّ المسيح، من خلال كلماته في رسالته إلى كنيسة فيلبي. حيث يُقرِّر بولس الرسول بوضوحٍ أنه لا يمتلك برًا بحسب الناموس، بل بحسب الإيمان بالمسيح، وأن البرَّ الوحيد الذي من الله هو بواسطة الإيمان بالمسيح.
ما الفرق بين برُّ الناموس وبرُّ المسيح؟
وليس لي بري الذي من الناموس، بل الذي بإيمان المسيح، البر الذي من الله بالإيمان.(رسالة بولس إلى فيلبي 3: 9)
يُصرُّ العديد من العلماء البارزين على أن مُعارِضي بولس أو المعلِّمين المنافسين له كانوا قد اخترقوا جماعة فيلبي، قارئين ومُفسِّرين ((رسالة بولس إلى فيلبي 1: 15-18، 28؛ 3: 2-16، 18-19 )) كدليلٍ على خطة هؤلاء المعلِّمين ورسالتهم. يرى بعضهم ما يصل إلى خمس مجموعات مختلفة من المعارضين، بينما يدمج آخرون الشواهد معًا ليخلقوا هجينًا غير مُقدَّسٍ، مثل ”ناشدو الكمال الغنوسيون المسيحيون اليهود“. وفي شكله الأكثر تواضعًا مال اقتراح المعارضين الحاضرين بالحقيقة في فيلبي ليُركِّز على المهوِّدين، المشابهين كثيرًا لأولئك الذين التقاهم بولس في غلاطية ((Gerlad F. Hawthorne, Philippians, Thomas Nelson/Zondervan, 1983, pp. 44-47 ))، (( Moises Silva, Philippians, BECNT, Baker Academic, 2005, pp. 9-10 ))، ((Chris Mearns, “The Identity of Paul’s Opponents at Philippi,” NTS33 1987, pp. 194-204. Gerlad F )).
ولقد اعتاد بعض العلماء على تعريف بولس باكتشاف مُعارِضيه، لدرجة أنهم قرأوا جميع رسائله وفسَّروها في إطارٍ جدليٍّ، وأصرُّوا على إيجاد بعض المعارضين الكامنين خلف كل رسالة. ولكن من غير المرجَّح، على أية حال، أن يعتقد بولس أن أصدقاءه قد واجهوا تهديدًا مباشرًا للإنجيل مثل هذا في فيلبي ((Gordon D. Fee, Paul’s Letter to the Philippians, NICNT, Wm. B. Eerdmans Publishing Co., 1995, pp. 7-9, 33 ))، ((Markus Bockmuehl, Epistle to the Philippians BNTC, A. & C. Black, 1997, pp. 6, 9, 19 )).
ويوجد هنا في كنيسة فيلبي فعلة الشرِّ ((رسالة بولس إلى فيلبي 3: 2-3 )) الذين نعتهم بولس الرسول بالكلاب، والذين يجب أن ينظر إليهم الفلبيون. كانوا يُشوِّهون أجسامهم، ويبدو أن ذلك كان عن طريق الختان، ولا يجب على المؤمنين بيسوع الذين يعبدونه بالروح أن يثقوا في أعمال الجسد. وقد دحض بولس هؤلاء الخصوم عن طريق مُؤهِّلاته اليهودية التي لا يشوبها شائبةً – على الرغم من أنه يحسب هذه كلها خسارةً إذا ما قُورِنَت بالربح العظيم المتمثِّل في معرفة الربِّ يسوع المسيح ((رسالة بولس إلى فيلبي 3: 4-11 )).
ونحن هنا أبعد ما نكون عن الهجوم الذي شنَّه بولس في رسالة غلاطية، التي تكاد تكون عصريةً، على أولئك الذين أصرُّوا على الختان. وهم على وجه التحديد اليهود المسيحيون. ويعتقد البعض أن الفقرة الواردة في رسالة فيلبي هي تحذيرٌ عامٌ في حالة ظهور أمثال هؤلاء الناس، لأنه، إذا ما انخرطوا في العمل مثلاً في فيلبي، لكان بولس قد خصَّص لهم مزيدًا من المساحة في الرسالة. وإلا فربما كانوا قد بدؤوا يظهرون للتوُّ بأعدادٍ قليلةٍ في فيلبي. أمَّا في غلاطية فقد حقَّقوا نجاحًا عظيمًا ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 661. )).
وفي الرسالة إلى فيلبي ((رسالة بولس إلى فيلبي 3: 18-19 )) يُكرِّر بولس تحذيره الذي أصدره في أوقاتٍ سابقةٍ من أولئك الذين يعيشون كأعداءٍ لصليب المسيح، حين جعلوا إلههم ومجدهم في خزيهم، ولا يُفكِّرون إلا في الأرضيات، بشكلٍ ضمنيٍّ على العكس من المسيح، الذي رُفِعَ إلى السماويات ((رسالة بولس إلى فيلبي 2: 9-11 )). فهل هؤلاء الناس يُماثِلون فعلة الشرِّ المتهودين المذكورين في ((رسالة بولس إلى فيلبي 3: 2-3 ))، والذين يُوصَفون الآن بأنهم يُركِّزون على شريعة الطعام الموسوية ويُمجِّدون الختان؟ نعم فالمرسَلون المسيحيون الذين هم من أصل يهوديّ يكرزون بالكمال القائم على أساس الناموس والممارسات اليهودية، وهذا كمالٌ حقَّقوه. ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 662 ))
ونتطرق في هذا الجزء إلى موقف بولس الرسول الثابت من الناموس، من خلال رسالته إلى كنيسة كولوسي، التي يُؤكِّد فيها على حقيقة وطبيعة الناموس بأنه ظلٌ للأمور العتيدة القادمة في المسيح. ويرفض بولس الرسول كل نواميس الطعام والشراب، وكل أحكام ناموسية من جهة أعياد أو سبوت أو أهلة، فجميعها هي ظلالٌ ورموزٌ. وهكذا يرفض بولس الرسول الفرائض الناموسية من جهة الأطعمة المحرَّمة، والأعياد اليهودية، وحفظ السبوت، فماذا تبقى في الناموس الموسويّ لم ينه عنه بولس الرسول؟!
وفي وصف التعليم الذي كان يُهدِّد مسيحيي كولوسي، فقد وُصِفَت العناصر التي بدا أنها تتعلَّق بالتهويد، لأن ما جاء في كولوسي ((رسالة بولس إلى كولوسي 2: 11 )) يُؤكِّد على ختان ليس مصنوعًا بيد، ختان المسيح، وهذا ما يُفهَم ضمنًا أنه يُعارِض ضرورة ختان الغرلة. علاوة على ذلك، في كولوسي ((رسالة بولس إلى كولوسي 2: 16 ))، البعض قد يحكم على مسيحيي كولوسي بالنسبة لموضوع الطعام والشراب (الذي قُدِّمَ للأوثان)، وكذلك لفظ عيد أو هلال أو سبت (وهي أمورٌ تتعلَّق بنواحي العبادة اليهودية) ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 817. )). وهكذا لا يستبعد هذا الوصف عنصرًا يهوديًا، بالنظر إلى يوسيفوس الذي يصف أوضاع الفريسيين والصدوقيين والأسينيين كفلسفاتٍ، ثم إنه في مرقس ((إنجيل مرقس 7: 8 ))، نجد يسوع يدين الفريسيين لرفضهم وصايا الله وتمسُّكهم بتقاليد الناس ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 817. )).
يُحارِب بولس الرسول في الرسالة إلى كنيسة كولوسي فلسفةً ما قد دمجت مقدارًا من العناصر المتنوعة التي استقت مصادرها من عدة خلفيات. فمن جهةٍ، تتضمَّن هذه الفلسفة عناصر يهودية واضحة. فحفظ السبت خالٍ من كل التباس في هذا الصدد. والقمر أو الهلال هو هامٌ أيضًا، وهو محطةٌ دائمةٌ على الروزمانة اليهودية. مُحرَّمات الفلسفة بخصوص الطعام تجد لها صدى في النواميس اليهودية للطعام، رغم أنها ليست فريدةً أو محصورةً باليهودية على الإطلاق. في الوقت ذاته، دُمِجَت هذه العناصر اليهودية مع عناصر من ممارساتٍ دينيةٍ وأنظمةٍ فكريةٍ أخرى ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 325- 326. )).
لماذا الناموس ظل الأمور العتيدة؟
فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب، أو من جهة عيد أو هلال أو سبت، التي هي ظل الأمور العتيدة، وأما الجسد فللمسيح.(رسالة بولس إلى كولوسي 2: 16-17)
يُشِير بولس الرسول هنا إلى أن المؤمنين بالمسيح ليسوا في حاجةٍ إلى القلق بالنسبة إلى طعامٍ أو شرابٍ ((رسالة بولس إلى كولوسي 2: 16 ))؛ لأن المسيح بموته سيُحضِر قديسين وبلا لوم أمام الله ((رسالة بولس إلى كولوسي 1: 22 )). فالعيد أو الهلال أو السبت لم تكن سوى ظلال للأمور العتيدة، أمَّا الجسد فإنه للمسيح ((رسالة بولس إلى كولوسي 2: 17 ))، ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 813. )).
ولكن هل من الممكن لموضوعاتٍ مثل الأعياد والهلال والسبت أن تكون قد أصبحت ضمن طقوس عبادة الملائكة؟ ففي جداله ضد المعلِّمين الذي يقومون بعملية التهويد، والذين يفرضون الختان وأعمال الناموس على الأممين، اعترض بولس على أن يكون الناس عبيدًا لعناصر/أرواح العالم وحفظ أيام وشهور وأوقات وسنين ((رسالة بولس إلى غلاطية 4: 3، 9-10 )).
وما جاء في رسالة كولوسي ((رسالة كولوسي 2: 23 )) ينتقد قهر الجسد. وربما يُفكِّر بولس في التطرف في النسك والتقشُّف عند إشارته إلى أكل أو شرب
((رسالة بولس إلى كولوسي 2: 16 )) بدلًا من عبارة، أمَّا ما قُدِّمَ للأوثان، وهذا نسكٌ يُظهِر طاعةً للأرواح والرياسات والسلاطين؟ والجمع بين هذه العناصر يصف المعلِّمين الكذبة في رسالة كولوسي بأنهم يهود مسيحيون من مُروِّجي مذهب التوفيق بين الأديان، التي جمعت فلسفتهم التي اصطبغت بالهلينية عناصر من يهود ومسيحيين ووثنيين ((رايموند براون، مدخل إلى العهد الجديد، ترجمة: نيكلس نسيم، سلسلة آفاق كتابية 5، القاهرة: دار لوغوس ودار الأكويني، 2021، ص 818. )).
ويُؤكِّد بولس الرسول هنا على أن المسيح هو الربُّ، ليس فقط على القوى الكونية، بل وأيضًا على حياة المؤمنين. عيش الحياة الجديدة التي تُفتتَح بالمعمودية، على أية حال، لا يعتمد على التنسُّك الفارغ، ولا على المحرَّمات المفروضة بشريًا أو على قبول الرؤى. فالمؤمنون قِبلوا ختانًا روحيًا بالمعمودية وبالقوة الممنوحة إلهيًا ليتمتَّعوا بالحرية من سلطة شهوات الجسد ((رسالة بولس إلى كولوسي 2: 11-14 )).
التنسُّك أو الزهد الوحيد الضروريّ والمثمِر هو إماتة الرغبات الجسدية – وليس العلامات الخارجية أو الطقسية على رفض العالم، بل الرفض المتناسق للأخلاقيات الدنيوية وللانغماس في الشهوات الجسدية ((رسالة بولس إلى كولوسي 3: 1-17 ))، ((ديفيد دي سيلفا، مقدمة للعهد الجديد ج2، ترجمة: القس الدكتور بيار فرنسيس، لبنان: دار منهل الحياة، 2014، ص 329-330. )).
صدر للكاتب:
ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أوغسطينوس أسقف هيبو [٢٠٢١]
كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
ترجمة كتاب: "ضد أبوليناريوس"، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]