[responsivevoice_button buttontext='قراءة المقال' voice='Arabic Female']

في كل المعارك والخلافات التي عاصرتها على مر حياتي، بين إثنين من الأصدقاء، أو زوجين، أو شريكين في البيزنس أو حتى الخدمة العامة، أو أم وابنها، أو بين الإخوة، أو طرفين جمعهما القدر لمدة من الزمان.. كان العامل المشترك والأقوى في الخلافات هو سوء الفهم والظن وغياب المحبة الحقيقية.

كل طرف من الطرفين يظن أنه يمتلك الحق المطلق، وأنه المجني عليه أو المظلوم، وانه هو من تحمل مرات وتجاوز مرات كثيرة، هو من ضحى وأدى أدوارًا عديدة ليست بأدواره، هو من تحمل الإساءة والتعدي عليه معنويًا أو فعليا، وهو أيضًا الأن من لم يعد لديه القدرة على التحمل أكثر من ذلك. وقد فاض به الكيل وقد حان بالنسبة إليه وقت الحساب.

الغريبة إنك في معظم القصص والحكايات، إنك كلما جلست إلى أحد الطرفين بمفرده وسمعت منه القصة تعاطفت معه، واقتنعت تمامًا أنه تحمل الكثير وحانت لحظة إعادة حقه المسلوب، وفي أحيانٍ كثيرة قد تلومه أنه انتظر كل هذا الوقت وأنه كان لابد أن يتحرك ويأخذ موقف من البداية.

الأغرب إنك لو حاولت أن تذهب إلى الطرف الثاني وسمعت روايته وتفسيراته جن جنونك، كيف خدعك الطرف الأول وكيف رسم الطرف الثاني على أنه الجاني رغم كونه المظلوم.

في الحقيقة أن في معظم القصص ليس هناك جاني واحد وضحية واحدة، بل أن هناك طرفان كلاهما جاني وكلاهما ضحية، والسبب الرئيس في أغلب القصص هو الذاتية والأنانية وغياب الحب.

في مثل شعبي بيقول حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط، لما بنحب بنتغاضى ونتفهم العيوب والطباع والضعفات وضغوطات الحياة، ولما بنكره مش بنشوف أي خير في اللي قصادنا، مش بنفتكر أي مواقف إيجابية له، بنشوف بس تقصيره وعيوبه وأخطاءه وأيضًا خطاياه.

عندما يغيب الحب، لا نتأنى ولا نترفق ولا نحتمل بل نظن السوء ونحتد ونقسو ونتمنى وندعو أحيانًا بالشر.

إن اندماجنا في الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي أصلت فينا روح العالم وفلسفة العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم، ونجح العالم وقصصه التي تغلغلت في داخلنا أن يرينا أن المحبة ضعف والغفران تفريط والميل الثاني ضعف.

العالم نجح بجدارة إنه يذرع فينا أن نقسو، ونسلب الحقوق، ونتهاون في الواجبات، ونكره ونمكر ونخطط بالسوء والأذى ونشهد بالزور ونتجنى بالكذب. ونسينا أن العالم قد وضع في الشرير، وأن رئيس هذا العالم لا ينبغي أن يكون له فينا شيء، وأن نحيا في العالم ولكننا لسنا منه.

مات الحب..
فنبتت بذور الكراهية واحتلت مكانه، فغاب من يحتمل ضعف أخيه ومن يصفح كسيده سبع مرات سبعين مرة. صار شعارنا “إن كنتوا نسيتوا اللي جرى هاتوا الدفاتر تنقرا” و”خالتي وخالتك واتفرقت الخالات”..

أما المحبة والغفران واحتمال ضعف الضعفاء فصار مكانهم فوق المنابر أو بين سطور الكتب.
لذلك نُزعت البركة..
من أجل قساوة قلوبكم ، ومن أجل أن كل شخص يرى القذى في عين أخيه دون أن يرى الخشبة الكبيرة التي في عينه.

إذا أردتم البركة، أعيدوا سلطان الحب، قدموا القميص والرداء، قدموا الخد الآخر، قدموا الميل الثاني، كونوا بني النور وبني النهار، لا تجعلوا كل معركة معركة كرامة، ولا كل تنازل هزيمة، ولا كل غفران تفريطًا في الحق، اجحدوا الظلمة وكل مملكتها وجنودها، ازرعوا الحب حتى لو بدت الأراضي صخرية فدموع الحب قادرة أن تذيب صخور الكراهية.

قد يطول الزمن ، وقد لا نرى دائمًا ثمرة ما زرعناه، لكن يكفينا أننا عندما نقف يوم الدينونة نكون قد حاولنا، قدر طاقتنا، ألا نكون جزءًا من هذا الخراب.
لأننا لم نُدعَ لكي ننتصر على بعضنا البعض بل دُعينا لكي يسود بيننا الحب.

مايكل جميل
[ + مقالات ]