لا أعرف تمامًا كيف يُفترض بالإنسان أن يُعرّف عن نفسه.
هل أقول إنني امرأة في الثلاثين، لبنانية، عشت بين بلدان وأماكن أكثر مما كنت أتوقع، وأعمل في التربية وأحب الأطفال والتعليم؟
أم أقول إنني تلك التي تجمع في حقيبتها كتبًا وأوراقًا وأفكارًا أكثر مما تجمع من الملابس؟
أم أقول إنني امرأة تحب القهوة، ثم قررت ذات يوم أن تتركها تمامًا، فقط لتكتشف إن كان بإمكانها أن تبدأ صباحها بشيء آخر؟
ربما لا شيء من ذلك يكفي.
أنا زينب.
وأظن أنني قضيت سنوات طويلة أحاول أن أعرف ماذا تعني هذه الجملة.
أنا زينب التي درست الأديان، لا لأمتلك إجابات جاهزة، بل لأن الأسئلة الكبيرة لطالما أثارت فضولي.
أحب أن أفهم الإنسان من الداخل؛ ما الذي يؤمن به، ولماذا يؤمن به، وكيف يمكن لفكرة صغيرة أن تغيّر طريقة نظره إلى العالم.
وأنا زينب التي دخلت عالم التربية، فوجدت نفسي في مكان يشبهني أكثر مما توقعت.
أحب الأطفال، لكنني لا أحب الحديث عنهم كأنهم مشاريع صغيرة علينا أن نُصلحها.
أحب أن أصغي إليهم. أن أراقب كيف يفكرون، كيف يلعبون، كيف يختلفون، كيف يغضبون، وكيف يقول طفل في الرابعة جملة واحدة تجعلك تعيد التفكير في كل ما كنت تظنه بديهيًا.
علّمت الأطفال، وأدرت مدرسة، وعملت مع المعلّمين، وصممت أفكارًا ومناهج وبرامج، وتدربت في التواصل اللا عنفي، واشتغلت على التعلّم الاجتماعي والعاطفي، ودخلت إلى عوالم التربية من أبواب كثيرة.
لكنني في كل مرة كنت أعود إلى الفكرة نفسها: “قبل أن نعلّم الطفل كيف ينجح، هل تعلّمنا كيف نراه؟”
ربما لهذا أحب التربية. لأنها بالنسبة إليّ لم تكن يومًا كتبًا ودفاتر ودرجات فقط. كانت محاولة لفهم الإنسان.
وكلما حاولت أن أفهم الأطفال أكثر، اكتشفت أنني أفهم نفسي أكثر.
ثم جاءت الحياة، كالعادة، ولم تكتفِ بما كنت أخطط له.
أخذتني إلى بلدان لم تكن في مخيلتي، وأبعدتني عن أشياء كنت أظن أنني سأبقى بجانبها إلى الأبد.
عشت في الغربة. وعرفت كيف يمكن لمدينة جديدة أن تكون جميلة وموحشة في الوقت نفسه. عرفت أن الإنسان يستطيع أن يتعلم شوارع بلد كامل، ويحفظ أسماء الأماكن، ويعرف طريقه إلى عمله، ثم يعود في الليل إلى غرفته ويكتشف أنه ما زال يبحث عن شيء يشبه البيت.
وعرفت أن البيت ليس دائمًا جدرانًا. أحيانًا يكون صوتًا. وأحيانًا شخصًا. وأحيانًا رائحة خبز من الحي القديم.
وأحيانًا يكون أمًّا وأبًا وإخوة بعيدين، تعرف أنهم هناك، لكنك لا تستطيع أن تمد يدك لتلمس كتف أحدهم.
أنا ابنة الجنوب اللبناني أيضًا. وهذا شيء لا أعرف كيف أشرحه لمن لم يحمل بلدًا صغيرًا في قلبه وهو يسافر.
لبنان بالنسبة إليّ ليس فقط مكانًا أعود إليه. هو اللغة التي أفكر بها، والذاكرة التي أمشي بها، والوجوه التي تظهر في رأسي عندما أشعر بالتعب، والأغاني التي أعرف كلماتها حتى قبل أن تبدأ. وربما لهذا، كلما ابتعدت أكثر، شعرت أنني أحمل لبنان معي أكثر.
تعلمت أن الغربة لا تجعلك تنتمي إلى مكان واحد. تجعلك أحيانًا معلّقًا بين أماكن كثيرة. بين بلد ولدت فيه، وبلد عشت فيه، ومدينة أحببتها، وبيت تركته، ومكان لا تعرف إن كان سيظل ينتظرك.
وأنا أعرف هذا الشعور جيدًا. أعرف كيف يكون الرحيل قرارًا لا يشبهك. وأعرف كيف يمكن لمدينة أن تصبح جزءًا من يومياتك، ثم يأتي يوم تضطر فيه إلى أن تتركها وأنت لا تعرف إن كنت ستعود.
ربما لهذا أكتب. لأنني منذ سنوات أشعر أن الأشياء إذا لم أكتبها، فإنها تصبح أقل واقعية.
أكتب منذ وقت طويل. أكتب عندما أكون سعيدة، لكنني أكتب أكثر عندما لا أعرف ماذا أفعل بكل ما أشعر به. أكتب عن الأيام العادية، عن الأشخاص، عن المدن، عن الله، عن الحب، عن الغياب، عن الخوف، عن القهوة، عن الطائرات، عن النوافذ، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي قد لا تعني شيئًا لأحد، لكنها بالنسبة إليّ تحفظ يومًا كاملًا من النسيان.
أنا لا أكتب لأن حياتي مليئة بالأحداث الاستثنائية. بل ربما العكس. أكتب لأنني أؤمن أن الحياة العادية تستحق أن تُروى. أن صباحًا عابرًا قد يكون مهمًا. أن مكالمة مدتها عشر دقائق قد تغيّر شيئًا في قلبك. أن نظرة من نافذة طائرة قد تجعل الإنسان يعيد الحديث مع الله. وأن شخصًا قد يمر في حياتك فترة قصيرة، لكنه يترك فيها أثرًا أطول من أشخاص عاشوا معك سنوات.
أنا أيضًا امرأة أحب. وهذه ليست جملة صغيرة بالنسبة إليّ. الحب عندي لم يكن يومًا قصة رومانسية مكتملة العناصر. كان دائمًا شيئًا أكثر تعقيدًا. كان قربًا وبُعدًا، حضورًا وغيابًا، أملًا وخوفًا، وأسئلة كثيرة لا تجد إجاباتها في الوقت الذي نحتاجها فيه.
تعلمت أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا ليبقوا فيها بالضرورة. بعضهم يدخلون ليغيّروا شيئًا فينا. وبعض العلاقات لا تنتهي عندما ينتهي الكلام؛ تظل تسكن في طريقة نظرنا إلى الأشياء.
وأنا لا أخجل من أن أقول إنني تأثرت: بالحب، بالفقد، بالغربة، بالرحيل، وبالأشياء التي لم تحدث أصلًا، لكنها كانت ممكنة.
عرفت كيف يمكن للإنسان أن يبني حياة كاملة، ثم يجد نفسه ذات يوم يعيد ترتيب كل شيء من الصفر.
لم يكن الأمر سهلًا. لكنه علّمني أن الإنسان لا ينكسر بالضرورة عندما تنتهي الأشياء. أحيانًا يبدأ هناك. في المساحة التي تلي النهاية. وفي تلك المساحة، بدأت أتعرف إلى زينب التي لم أكن أعرفها. المرأة التي تستطيع أن تعيش وحدها.
أن تعمل.
أن تسافر.
أن تبدأ من جديد.
أن تشتاق ولا تتوقف.
أن تخاف وتمضي.
أن تبكي ثم تفتح دفترها وتكتب.
وأنا لا أدّعي أنني وصلت. لم أصل إلى مكان اسمه “السلام”. ولا أملك وصفة للحياة.
ما زلت أتساءل. ما زلت أغيّر رأيي. ما زلت أتعلم كيف أضع حدودي، وكيف أحب دون أن أفقد نفسي، وكيف أكون قوية دون أن اضطر إلى التظاهر بأنني لا أتعب. وما زلت أتعلم الله أيضًا. اقترب منه بأسئلة كثيرة، وأحيانًا أعاتبه، وأحيانًا أحدثه كما لو كان صديقًا قديمًا يعرف كل شيء ولا يحتاج مني إلى شرح. وفي بعض الليالي، لا أريد منه شيئًا سوى أن يبقى قريبًا. ربما هذه أكثر الأشياء التي تشبهني:
أنا امرأة بين الأسئلة.
بين العقل والقلب.
بين الإيمان والبحث.
بين التربية والحياة.
بين البلاد.
بين ما تركته وما ينتظرني.
بين المرأة التي كنتها، والمرأة التي أحاول أن أصبحها.
لذلك، حين تقرأون يومياتي، لا أريدكم أن تبحثوا عن “زينب” في سيرتي الذاتية.
ستجدونها هنا. في التفاصيل. في الأشياء التي أقولها، وفي الأشياء التي لا أقولها.
في فرحي الصغير. في حزني الذي لا أعلنه دائمًا. في الطفل الذي أتحدث عنه بحماس. في كتاب أحمله معي. في مدينة أشتاق إليها. في رسالة انتظرها. في نافذة طائرة. في كوب قهوة. وفي صباح أقرر فيه، لسبب لا أفهمه تمامًا، أن أبدأ من جديد.
هذه أنا.
أنا زينب.
ولست متأكدة إلى أين تأخذني هذه الصفحات.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
لقد عشت أشياء كثيرة وأنا أقول في داخلي: سأكتب عنها يومًا.
ويبدو أن ذلك اليوم قد جاء.