لماذا أحب شارع الحمرا؟

[ratemypost-result id="58320"]
شارع الحمرا بيروت
[responsivevoice_button buttontext='قراءة المقال' voice='Arabic Female']

٥ أكتوبر/ تشرين اﻷول ٢٠٢٦ – شارع الحمرا / بيروت

أحب شارع الحمرا.
أحب فوضاه التي تبدو، بطريقة ما، منظمة.
شارع لا يحاول أن يكون متناسقًا، ومع ذلك تجد كل شيء فيه مكانه: المقاهي، والمكتبات، والوجوه التي لا تشبه بعضها، والغرباء الذين يمشون كأن لكل واحدٍ منهم حكاية مستعجلة.
نزلت اليوم وجلست في مكتبة برزخ.
أشعر أن برزخ يختصر الحمرا كلها؛ العشوائية المنظمة، والتنوع، والكتب التي لا يبدو أن بينها علاقة، ثم تكتشف أن اجتماعها معًا هو بالضبط ما يجعل المكان جميلًا.

دخلت، فمشت ميرا صديقتي إلى الطاولة القريبة من النافذة.
أما أنا فأردت أن نجلس بين الكتب.
كان حولنا الكثير منها، وعلى الطاولة أمامي جبل كامل من الكتب. ولم يزعجني ذلك أبدًا.
ربما لأنني لم أنزل إلى برزخ لأقرأ.
نزلت لأختبئ.
كنت أهرب من أن أحزن أمام أحد، وكانت الكتب تخبئني بطريقة لافتة. بينها شعرت بشيء من الدفء، كأن المرء يستطيع أحيانًا أن يجد ملجأً في مكان لا يسأله أحد فيه: ما بك؟

أحب ميرا.
هذه الصبية اليافاوية الجميلة، الصافية بطريقة مبهرة.
أراها مرة واحدة في السنة تقريبًا، لكن كلما رأيتها أشعر أننا كنا معًا بالأمس.

تحدثنا كثيرًا.
وبكينا كلتانا.
عن أوجاعنا، عن أوطاننا، عن غربتنا المحتومة، عن الأشياء التي لا نعرف أين نضعها في قلوبنا، وعن كل ما ينبغي أن نتحدث عنه كي نُخرج قليلًا من هذا الوجع إلى الهواء.
ثم قمت لأتجول بين الكتب.

التقطت كتابًا عنوانه «حياكة كلمات». العنوان مستفز بطريقة جعلتني أفتحه. فتحته عشوائيًا، وقرأت بضعة أسطر.
ثم ضحكت.

  • أنا طبوط
    هذا أخي الكبير طرشي
  • أنا طرشي ، أخ طبوط..

(نجلا جريصاتي خوري، حياكة كلمات، دار قنبز)

ضحكت بصوت عالٍ جدًا.
كان الكتاب ذكيًا على نحو جعلني أنسى، للحظات، أنني كنت أبكي قبل قليل.
ضحكت مرة ثانية.
ثم حملته وقررت أن أشتريه.

فقالت صاحبة المكتبة إنها لا تريد ثمن الكتاب.
لم أفهم في البداية.
ثم قالت شيئًا معناه أن الكتاب أضحكني، بعدما كانت قد رأت دموعي قبل عشر دقائق فقط وهي تنهمر على وجهي.

غريبة هي الناس.
كيف يستطيع أحدهم، وهو يحمل وجعه الخاص، أن يلتفت فجأة إلى وجع شخص آخر؟

أنا مقتنعة أن لكل واحد منا شيئًا يشغله. وجعًا خاصًا، ربما لا يعرف عنه الآخرون شيئًا. وأن كل واحد منا يعبّر عنه بطريقته؛ واحد يبكي، وآخر يصمت، وآخر يكتب، وآخر يضحك بصوت عالٍ في مكتبة. وربما كانت هي -أي صاحبة المكتبة-، حين أعطتني كتابًا مضحكًا، تحاول أن تفعل شيئًا بسيطًا جدًا:
أن تجعلني أشعر بشيء آخر.
ولو لدقائق.
وضعت الكتاب في حقيبتي السوداء.

خرجت من برزخ. وظلّ معي شيء لا أعرف إن كان أثمن من الكتاب نفسه: أنني، رغم كل ما كان يؤلمني، مررت اليوم من بين الكتب باكية، ثم خرجت وأنا أضحك. ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى من يصلح وجعه. أحيانًا يكفي أن يجد شخصًا يراه…
ثم يضع في يده كتابًا ويقول له، بطريقة غير مباشرة:
خذي هذا معك. ربما يخفّ اليوم قليلًا.

ثم خرجنا لنمشي قليلًا في الحمرا.
لاحظت في الفترة الأخيرة شيئًا غريبًا يحدث لذاكرتي. لم أعد أتذكر الأحداث كما كنت. أنسى أحيانًا ماذا حدث، ومن كان موجودًا، وما الذي قيل في يوم كامل. لكنني، على نحوٍ مدهش، أتذكر الأماكن. أتذكر الشوارع. ألتقط تفاصيلها بعينٍ لا أعرف متى أصبحت بهذه الحساسية؛ واجهة مقهى، درجًا صغيرًا، شجرةً عند زاوية، كرسيًا موضوعًا على الرصيف، لون باب، أو نافذةً مررت بها مرة واحدة ولم أفكر حينها أنها ستبقى.
كأن ذاكرتي قررت أن تتخلى عن الناس، وتحتفظ بالأمكنة بدلًا منهم.

مررنا بمحاذاة «رصيف»، ذلك المقهى الذي يأخذ جزءًا من أحد فروع شارع الحمرا، حتى يكاد المقهى والرصيف يصبحان مكانًا واحدًا.
وفجأة تذكرت أول مرة دخلت فيها «رصيف».
كانت شلبية الحكواتية قد جاءت من الأردن لتروي قصة الظاهر بيبرس.
لا أعرف لماذا بقيت تلك الليلة حيّة في رأسي إلى هذا الحد.
كانت ليلة لطيفة جدًا. وأنا، حتى الآن، أستطيع أن أتذكر الورود التي كانت أمامي، والكلمات التي قالتها، والزي الذي كانت ترتديه، وحتى الكروت التي وزعوها علينا.
ما زلت أحتفظ بتلك الكروت.
أشياء صغيرة جدًا، لا قيمة لها تقريبًا إذا نظر إليها شخص آخر.
لكنها بالنسبة إليّ ليست كروتًا.
إنها ليلة كاملة محفوظة في قطعة ورق.

وهذا ما أحبه في الحمرا. أنه ليس شارعًا فقط. إنه أرشيف مفتوح للذين مرّوا فيه. كل زاوية فيه تستطيع أن تعيد إليك شخصًا، أو ليلة، أو نسخة قديمة منك، من دون أن تستأذنك.

أحب شارع الحمرا.
أحب أن أمشي فيه فأجد نفسي، من دون أن أكون قد بحثت عنها.
وأحب أكثر أن ذاكرتي، مهما نسيت، ما زالت تعرف كيف تحفظ الطريق…