[responsivevoice_button buttontext='قراءة المقال' voice='Arabic Female']

غالبا الأفكار الفلسفية الكبيرة بتبتدي وتنبت جوة الصالونات والأكاديميات؛ فكرة ورا فكرة، والكل يسعى لشرح العالم بمنطق رياضي أو جدلي هادي، بعيد عن هرج الحياة والانفعالات اليومية. بس على الناحية التانية، اتولد مسار فكري مختلف خالص. مسار ما بدأش من كتاب أو محاضرة، بل من أزمة فردية طاحنة، وخلى المعاناة الجسدية والنفسية هي الأساس والعدسة اللي بنشوف بيها الوجود كله.

وهنا بيتولد السؤال الكبير: هل الفلسفة بحث موضوعي محايد عن الحقيقة الشاملة؟ ولا هي في جوهرها صرخة ذاتية بزي رسمي، بتعكس آلام اللي كتبوها وعزلتهم؟

عشان نلاقي إجابة، لازم نقرب من سيرة ناس بيلقبوهم بـ”قديسي التشاؤم”؛ زي أرتور شوبنهاور، سورين كيركجارد، جياكومو ليوباردي، وإميل سيوران.

الناس دول ما مارسوش الفلسفة كمهنة مريحة أو وجاهة اجتماعية، بل كمخرج اضطراري وضرورة وجودية فرضها عليهم المرض، والعزلة، والنبذ. شافوا الحياة عبارة عن سلسلة متصلة من الخيبات والمآسي، وجود ملوش أي غاية عقلانية ولا حكمة إلهية جاهرة تبرره من وجهة نظرهم.

وعشان كده، كتاباتهم هربت من الهياكل والمجلدات الفلسفية الضخمة، ولجأت للشذرات، والمقالات القتالة، واليوميات السريعة. عشان تبقى شبه النبض المتقطع لآلامهم ونوبات اكتئابهم.

وكانت كتابتهم حاجة مختلفة عن الكتابات الفلسفية الكلاسيكية [الهيجلية] واللي كانت الإسطمبة للفيلسوف اللي محدش فاهم منه حاجة. نقدر نقول إن كتابات الناس دي في وقتها كانت حاجة زي انتشار تعليقات الفيسبوك القصيرة بدل المقالات الطويلة. طريقتهم في التأثير مكنتش هز قناعات زي المرزبة أو الشاكوش، لاء.. طريقتهم كانت تسلل أدبي وأخلاقي وسط عالم مغرق في المادية والجفاف الروحي.

الناس دي كانت أسرها وبيئتها مسيحية الأصول. وفلسفتهم مش مجرد نظريات في الهواء، دي معجونة بدمهم وبحياتهم الجحيمية.

خد نفس طويل آخير، ويالا بينا نقرب منهم.. وتذكّر: الفكرة وليدة المأساة.

أرتور شوبنهاور (1788 – 1860):

نشأ شوبنهاور في بيئة بروتستانتية وانتهى بتأثر شديد بالروحانيات الشرقية. عاش طفولة مشحونة بجفاف عاطفي من أم روائية كانت بتكره كآبته، وانتهت بانتحار أبوه وهو لسه شاب. الفاجعة دي زرعت جوة شوبنهاور يقين إن العالم مش محكوم بعقل هادئ، بل بـ”إرادة عمياء” شرسة، قوة نفعية طاحنة بتخلي كل الكائنات تتصارع لمجرد البقاء. شوبنهاور المعزول، اللي قضى شبابه بيتصارع مع عقدة الذنب ووحدة قاتلة، شاف إن كل أوهام السعادة ما هي إلا الهدنة القصيرة بين ألمين!

إن الحياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل. فكل رغبة تتأرجح بين حالتين: حالة الألم قبل أن تُدرك، وحالة الملل بعد أن تُشبع، وكلتا الحالتين تفرضان الشقاء على الإنسان. ((Arthur Schopenhauer, The World as Will and Representation ))

السعادة هي غياب الألم، وكل سعادة هي ذات طبيعة سلبية [غياب] وليست إيجابية [حقيقية]؛ ولهذا السبب لا يمكن لأي رضا أو قناعة أن تدوم طويلًا، فهي في الأساس ليست سوى توقف للألم أو الحرمان. ((Arthur Schopenhauer, The World as Will and Representation ))

(Arthur Schopenhauer, The World as Will and Representation)

السعادة ليست سوى حلم، أما الألم فحقٌّ واقعي. ((Arthur Schopenhauer, Essays and Aphorisms, Studies in Pessimism ))

(Arthur Schopenhauer, Essays and Aphorisms, Studies in Pessimism)

إن فلسفتي لم تعطني شيئًا، ولكنها وفرت عليَّ الكثير من العناء والجهد في انتظار هذا الشيء. ((Arthur Schopenhauer, The Art of Being Happy ))

(Arthur Schopenhauer, The Art of Being Happy)

سورين كيركجارد (1813 – 1855):

المفكر الدنماركي اللي عاش تحت ظلال أب لوثري متدين، وكان أبوه مؤمن إن العائلة بتاعتهم ملعونة ولن تعيش. كيركجارد عاش بعاهة جسدية في ظهره، وقلب مهشّم بعد ما فسخ خطوبته من حبيبته “ريجين أولسن” عشان خاف يظلمها معاه في سوداويته. الوجع الشخصي ده هو اللي خلى كيركجارد يشوف إن الحقيقة مش في الجماعة أو الدولة، بل في “القلق الفردي” والمعاناة الذاتية اللي مينفعش أي مجتمع أو فكرة كليّة تراعيها أو تواسيها.

الجمهور هو اللاحقيقة؛ لأنه في مفهومه الأساسي يسلب الفرد شعوره بالمسؤولية الشخصية والندم، أو على الأقل يضعف هذا الشعور عبر تحويله إلى مجرد كسر ضئيل وسط المجموع. ((Søren Kierkegaard, The Crowd Is Untruth ))

(Søren Kierkegaard, The Crowd Is Untruth)

أعظم خطر يمكن أن يحدث، وهو التلاشي الصامت في هذا العالم، هو أن يفقد الإنسان ذاته، كما لو كانت شيئًا لا قيمة له. يمكن لأي خسارة أخرى أن تمر دون أن تُلاحظ: خسارة ذراع، أو زوجة، أو مال.. لكن خسارة الذات هي الخسارة التي تحدث في صمت تام. ((Søren Kierkegaard, The Sickness Unto Death ))

(Søren Kierkegaard, The Sickness Unto Death)

جياكومو ليوباردي (1798 – 1837):

وُلد لعائلة كاثوليكية محافظة جداً، وكان مهيًأ في طفولته ليسلك مسارًا دينيًا. لكن الشاعر والفيلسوف الإيطالي اللي اتحرم من طفولته العادية بسبب قسوة أمه وتزمت أبوه، حبس نفسه في مكتبة أبوه يدرس بالساعات. ساعات متواصلة لحد ما أصابه انحناء شديد في العمود الفقري وضعف حاد في النظر والأعصاب. ليوباردي مجربش الحب ولا حسّ بالسعادة وإنما الإلتزام والألم والضعف، ومن جوة القفص الجسدي ده، خرج بفلسفته عن “التشاؤم الكوني”؛ حيث الطبيعة عنده مش أم حنونة، بل كائن محايد وقاسي بيصنع الكائنات عشان يعذبها بالرغبة والعدم.

في حواره الشهير الذي يلخص فلسفته، يكتب على لسان “الطبيعة” وهي تخاطب إنسانًا يسألها عن سبب عذابه، فترد الطبيعة:

أنا لا أسعى وراء سعادتكم كما أنني لا أتعمد شقاءكم. وإذا قمت بتعذيبكم، فإنني أفعل ذلك دون وعي، بدافع ميكانيكي بحت لاستمرار عجلة الوجود. ((Giacomo Leopardi, Operette morali, Dialogue between Nature and an Islander ))

(Giacomo Leopardi, Operette morali, Dialogue between Nature and an Islander)

كل شيء شر؛ أعني أن كل شيء موجود لغاية شريرة. هذا الوجود معيب، وشاذ، ومتوحش، والشر هو الغاية والغرض النهائي من الكون. والشيء الوحيد الجيد حقًا هو العدم. ((Giacomo Leopardi, Zibaldone ))

(Giacomo Leopardi, Zibaldone)

الموت ليس شرًا، لأنه يحرر الإنسان من جميع الشرور، وبينما هو يُفقدنا الأشياء السعيدة والجيّدة، فإنه يُفقدنا أيضًا الرغبة فيها، وإرتباطنا الأرضي بها. يُفقدنا الوعي بها ذاته. ((Giacomo Leopardi, Pensieri ))

(Giacomo Leopardi, Pensieri)

والآن، ستستريح إلى الأبد أيها القلب المنهك. لقد مات الوهم الأخير الذي ظننته أبديًا… لقد مات. وأعلم أن الأمل، بل وحتى الرغبة في الأوهام المحبوبة، قد انتهى. اهدأ إلى الأبد، فقد نبضت بما يكفي. لا شيء يستحق خفقانك، والأرض لا تستحق زفرة واحدة. وجودنا ألم وضجر، والعالم ليس سوى وحل.. لا شيء غير ذلك. ((Giacomo Leopardi, Canti, A se stesso ))

(Giacomo Leopardi, Canti, A se stesso)

إميل سيوران (1911 – 1995):

كان والده كاهنًا في الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية، وهو ما جعله على دراية وثيقة بالطقوس الدينية منذ صغره، وحتى لما نضج تم وصف كتاباته بـ”الهوس باللاهوت”. المفكر الروماني اللي قضى شبابه يعاني من أرق مزمن ورهيب خلى الفاصل بين الليل والنهار ينمحي، وكأن العقل رافض ينام أو يرتاح. من قلب الأرق القاتل ده في باريس، وعزلته الغريبة عن بؤرة الأكاديميات، كتب سيوران شذراته بالفرنسية بروح إنسان واقف على حافة الهاوية. التشاؤم عنده مكنش برفاهية الاختيار، بل أداة للبقاء على قيد الحياة؛ كان بيشوف الوعي المفرط بالوجود عقوبة ملعونة اتفرضت على الإنسان من غير ما يرتكب أي ذنب.

أن تمتلك درجة عالية من الوعي، وأن تكون مستيقظًا لنفسك دائمًا في مواجهة العالم، وأن تعيش في توتر دائم بسبب المعرفة، يعني أن تكون ضائعًا بالنسبة للحياة. المعرفة هي طاعون الحياة، والوعي جرح مفتوح في قلبها. ((Emil Cioran, Sur les cimes de le désespoir ))

(Emil Cioran, Sur les cimes de le désespoir)

ما الجرم الذي ارتكبته لكي تُولد؟ وما الجناية التي اقترفتها لكي توجد؟ إن معاناتك، تمامًا مثل قدرك، بلا سبب أو مبرر. ((Emil Cioran, Précis de décomposition ))

إن التجربة المرعبة والهاجس الدائم بالموت، يصبحان مدمرين عندما يظلان حبيسي الوعي. لذلك كلما تحدثت وكتبت عن الموت، فإني وكأنما أنقذ جزءًا من نفسي. ((Emil Cioran, Précis de décomposition ))

(Emil Cioran, Précis de décomposition)

أنا لا أسامح نفسي على ولادتي. الأمر يشبه كما لو أنني بتسللي إلى هذا العالم قد دنستُ سرًا، وخنتُ عهدًا عظيمًا، واقترفتُ خطأً في غاية الجسامة. ((Emil Cioran, De l’inconvénient d’être né ))

لا ينتحر إلا المتفائلون، المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في التفاؤل. أما بالنسبة للآخرين، فبما أنه لا يوجد لديهم سبب للعيش، فلماذا يكون لديهم سبب للموت؟ ((Emil Cioran, De l’inconvénient d’être né ))

(Emil Cioran, De l’inconvénient d’être né)

مواجهة الفلسفة الـ”هيجلية”

(الصدام مع التفاؤل المصنوع)

المواجهة دي بتظهر بأوضح صورها في معركة شوبنهاور وكيركجارد ضد الفيلسوف الألماني چورچ ڤيلهلم فريدريش هيجل. هيجل كان بيسيطر على المشهد الأوربي بفلسفة تفاؤلية صارمة؛ شايف إن التاريخ بيمشي بخطى عقلانية تصاعدية نحو الكمال، وأن “الروح المطلق” بيتحقق عبر الدول والمؤسسات والجماعات والتكتلات.

شوبنهاور، كان بيحاضر في نفس جامعة هيجل، وبيحدد مواعيد محاضراته في نفس وقته عشان يتحدّاه (وما كانش بيحضرله غير أنفار معدودة!)، شاف عقلانية هيجل دي مجرد هراء وثرثرة نظرية بتتعامى عن واقع العالم المليان دم ووجع، وتتجاهل قوة “الإرادة” العمياء اللي بتمزع الكون.

أما كيركجارد، فهاجم هيجل لأنه بلع الفرد جوة منظومة تاريخية ضخمة؛ وكأن آلام الإنسان الفردي مجرد “تفصيلة مُهملة” في طريق التاريخ الكبير! كيركجارد صرخ إن الحقيقة هي المأساة الخاصة، مش المسيرة الكليّة للبشرية.

عشان نفهم الفرق بين الفريقين، تعالوا نتخيل الفرق بين: خريطة سياحية لمدينة كبرى، ورسم قلب لمريض بيعاني من جلطة:

  • الفلسفة النُسقية المُنظمة (زي فلسفة هيجل) شبه الخريطة السياحية؛ بتعرض صورة واسعة ومترتبة، تشرح ازاي الشوارع والمباني مربوطة ببعضها في مسار عقلاني جميل.
  • أما فلسفة التشاؤم (زي فلسفة سيوران وشوبنهاور) فهي شبه الرسم الطبي للقلب؛ بتركّز كليًا على الشريان المسدود والنبض المضطرب. الشريان المقفول ده والوجع الموضعي الحارق هو الحقيقة الوحيدة اللي بيعيشها الإنسان فعلًا في لحظتها.

نتيجة المقارنة: الخريطة بكل جمالها، بتفقد معناها تمامًا أول ما القلب يتوقف عن النبض!

بين حدود الفلسفة ونسك الزاهدين

السير في السكة التشاؤمية دي بيوصلنا في الآخر للإقرار بحدود الفلسفة نفسها. الفلسفة عند الناس دول متملكش روشتات للنجاة والخلاص، ولا أوهام عن بناء “مجتمعات فاضلة”. دورها بيقف عند مجرد تشخيص الحالة الإنسانية اللي شايفينها ميؤوس منها.

وعشان كده، تحول الفلاسفة العظام دول من مفكرين حالمين بإصلاح العالم، لنُسّاك منعزلين عن العالم، وبيستخدموا اللغة كأنها مشرط جراحة لتشريح آلامهم الذاتية، يرون في الوعي المفرط بالوجود قصاصاً فرضته الحياة عليهم.. وعاشوه لحد آخر نفس.