[responsivevoice_button buttontext='قراءة المقال' voice='Arabic Female']

يشكو قطاع واسع من المواطنين في مصر من تزايد أعداد الكلاب الحرة التي تعيش في الشارع، وظهرت دعوات عنيفة للتخلص منهم وقتلهم، وظهرت ممارسات سيئة تخالف القانون ونتيجتها أذى لمجموعات من الكلاب مارسها مواطنون عاديون، وبعض المؤسسات الحكومية سواء الطب البيطري أو المسؤولين بالمحافظات، وﻷن البشر كائنات أنانية بطبعها وتعاني من استحقاقية كاذبة بأنهم أصحاب وأسياد الكوكب، فيطالبون بمنتهى اﻷريحية بالتخلص من الكلاب الحرة متناسين مبدأ هام جدًا، هو التوازن البيئي، وأن أي محاولة للإخلال به ستكون نتائجه كارثية على اﻹنسان ضيق اﻷفق واﻷناني نفسه قبل بقية الكوكب.

تطورنا معا

قبل الخوض في كيفية التعامل مع الكلاب أعود إلى العلاقة التاريخية التي بدأت بينهم والبشر ورحلة التطور التي مروا بها معًا، ففي مقال بعنوان “تطور جينوم الكلاب والبشر معًا” منشور بتاريخ 14 مايو 2013 على ناشيونال جيوجرافيك، يقول إن باحثون من جامعة شيكاغو ومؤسسات دولية أخرى، وجدوا أن مجموعات عديدة من الجينات لدى البشر والكلاب بما في ذلك تلك المتعلقة بالنظام الغذائي والهضم، والعمليات العصبية، والأمراض، قد تطورت بشكل متوازٍ على مدى آلاف السنين.

وأشار مؤلفو الدراسة التي نُشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” (Nature Communications) إلى أن هذا التطور المتوازي كان مدفوعًا على الأرجح بالبيئات المشتركة التي جمعت بين البشر والكلاب. وأنه ربما منحت المعيشة في ظروف مكتظة مع البشر ميزةً للكلاب الأقل عدوانية، مما أدى إلى ظهور كلاب أكثر خضوعًا وانقيادًا، وانتهى المطاف بتلك الحيوانات الأليفة التي تنظر إلينا بعيون تفيض مودةً وحباً غير مشروط. ويرجح مؤلفو الدراسة أن استئناس الكلاب حدث قبل 32 ألف عام؛ وهو تاريخ أقدم بكثير من التقديرات الحالية التي تشير إلى أن الاستئناس تم قبل ما يتراوح بين 15 ألفاً و16 ألف عام (( Jane J. Lee, National Geographic, Dog and Human Genomes Evolved Together )).

تحت عنوان “كيف تطور الكلاب والبشر معا” بمجلة “Nature” بتاريخ 18مايو 2015، يذكر المقال أنه على غرار البشر، تستخدم الكلاب نظرات العيون للتواصل، وهي سمة لا تشاركها فيها أقرب أقربائها، أي الذئاب. وفي الواقع، تتميز الكلاب والبشر بقدرة فائقة على التفاعل الاجتماعي فيما بينهما؛ إذ تفتقر الذئاب والشمبانزي إلى مثل هذه العلاقة وتواجه صعوبة في التواصل مع بعضها البعض، مما يثير تساؤلًا حول أصل هذه الرابطة الخاصة التي تجمعنا بالكلاب. ولاستكشاف ذلك، تعاون باحثون من عدة جامعات يابانية لدراسة دور “الأوكسيتوسين” -وهو هرمون مرتبط بالتفاعل الاجتماعي- في العلاقة بين الكلب ومُربِّيه. ويُعرف الأوكسيتوسين بأنه هرمون “المكافأة الاجتماعية”؛ إذ يلعب دورًا مهمًا في تنظيم الروابط العاطفية، سواء بين الأم ورضيعها، أو بين أفراد الأسرة، أو بين الشركاء في العلاقات الأحادية. وعندما يحدث تلامس جسدي بين الكلب ومُربِّيه، ترتفع مستويات الأوكسيتوسين لدى كليهما (( Sedeer el-Showk, Nature Communications, How Dogs and Humans Grew Together )).

وفي مقال “تطورت الكلاب لتفهم البشر” على موقع “PBS” يقول: كيف يبدو أن الكلاب “تفهم البشر”؟ وأشار كاتب المقال إلى كلبته “فلافي” كمثال؛ إذا قلتُ “لنذهب في نزهة”، تتوجه هي إلى الباب. وينطبق الأمر نفسه عندما أقول “يوجد طعام في وعائك”، إذ تذهب لتفقد وعاءها. وأوضح أن باحثين في جامعة “ديوك” اكتشفوا أنه نشاط إدراكي معقد ونادر جدًا في عالم الحيوان؛ فحتى أقرب أقربائنا، الشمبانزي، لا يستطيعون القيام بذلك. كما تبيّن أن أقرب أقرباء الكلاب -وهي الذئاب- لا تستطيع فعل ذلك أيضًا. وهذا يعني أن آلاف السنين من كونها “أفضل صديق للإنسان” قد غيّرت عقول الكلاب؛ إذ أصبحت الكلاب تمتلك الآن ما يُعرف بقدرات “نظرية العقل” (Theory of Mind)، وهي باختصار مهارات ذهنية تتيح لها استنتاج ما يفكر فيه البشر وما يشعرون به (( Frank Graff, PBS, Dogs Have Evolved To Understand Humans )).

هل يمكن أن ينفصل البشر عن الكلاب؟

في الفقرات السابقة أشارت المقالات التي استعنت بها إلى الدراسات عن تطور العلاقة بين البشر والكلاب على مدى عشرات اﻵﻻف من السنين، وكيف في كل تلك السنوات، كان البشر والكلاب يسكنون معًا، فحتى منتصف القرن الـ18 كنا نعيش في عصر الزراعة ونظام والبطريركية الرعوية الحاكم له، كانت القرى هي النمط الغالب ﻷغلب سكان العالم، وهنا الكلاب والماشية والطيور هم جزء من حياة اﻹنسان الذي يقضي أغلب يومه في اﻷرض.

إلى أن بدأت الثورة الصناعية في انجلترا ثم انتشرت إلى باقي العالم، ومعها تحول نمط معيشة البشر تدريجيًا من سيادة  القرية إلى سيادة المدينة، فلم تعد البيوت مفتوحة على بعض كما كان في القرية، بل ساد تنظيم المدن عمارات سكنية يكاد يعرف الجيران بعضهم البعض، وفي هذا التطور الحياتي تخلى اﻹنسان عن الماشية والطيور لكن اصحطب معه في مسكنه الجديد بالمدينة الكلاب والقطط.

لذا في أغلب الدول الحديثة التي سادت فيها الثورة الصناعية، وبعد سنوات استطاعت أن تحل أزمة الكلاب الحرة عن طريق التشجيع على التبني، والمحاسبة على التخلي عنها من قبل المواطنين بقوانين صارمة، وبناء شلاتر إيواء للكلاب، فلم يعد السائد هو انتشار الكلاب في الشوارع، بينما الدول التي وصلتها الحداثة متأخرة، ولحقت بركب الثورة الصناعية متأخرًا، ثم دخلت مع العالم عصر التكنولوجيا والأنترنت لكن ﻻزالت قوانين القرية تحكمها، لم تستطع حل معضلة ارتباط الكلاب بالبشر وأنها من الطبيعي أن تعيش بالقرب منهم، فذهب سكانها لنمط حياة المدينة، ولكن ﻷسباب مختلفة أولها اقتصادي، لم تشجع على ثقافة تبني الكلاب كما حدث في أوروبا وأمريكا، بل تم تركهم في الشارع، بلا رعاية، وﻷن سكان تلك الدول لا يعيرون النظافة اهتمامًا، فانتشرت الزبالة في غالبية المدن، وهي مصدر غذاء لكافة الحيوانات، ولو لم توجد الكلاب والقطط لتسيطر عليها سينتشر بها الفئران والقوارض.

هل اﻷزمة في الكلاب أم البشر؟

الجمهور المعادي للكلاب يضع عنوان “تزايد أعداد الكلاب” باعتبار أن الكلاب هم المسؤولين عن تلك اﻷزمة ويرغب في التخلص منهم، مع أنه إذا دققنا فالكلاب ليست سبب اﻷزمة بل سلوكيات البشر هي سبب اﻷزمة.

في مصر تعيش أنواع مختلفة ومتعددة من الكلاب ويوجد رسومات ونقوش توضح مدى ارتباط جدودنا المصريين القدماء بالكلاب وبالقطط أيضًا، فهم مكون أساسي للبيئة المصرية، والكلاب كائنات مرتبطة بالبشر، ومهما تعامل معاها البشر بقسوة ستفضل العيش بالقرب منهم، ﻷن هذا تاريخ مشترك بين البشر والكلاب يمتد على مسافة زمنية تقترب من 40 ألف سنة، وﻷن الإنسان هو الكائن اﻷنضج ومن المفترض اﻷذكى واﻷكثر وعيًا فعليه إيجاد حلول للتعامل مع تزايد أعداد الكلاب في مصر بشكل علمي.

فيجب دراسة اﻷثر البيئي لزيادة أعداد الكلاب وكذلك انخفاض أعدادها للحفاظ على التوازن البيئي في مصر ذات الطبيعة الصحراوية الغالبة على نحو 95% من مساحتها، واطلاق حملات لتطعيم الكلاب ضد فيروس السعار، وإجراء عمليات تعقيم لضبط اﻷعداد، اﻷمر اﻵخر هو نشر ثقافة التعامل برفق ورحمة مع الكلاب الحرة بين اﻷطفال في المدارس وكذلك اﻵباء واﻷمهات، ﻷن البشر يمارسون عنفًا تجاه الكلاب يكون رد فعل الكلاب هو الخوف والتصرف بعدوانية تجاه البشر، وبناء شلاتر إيواء والتشجيع على التبني كما فعلت الدول التي سبقتنا.

فإذا تطورت حياة البشر من الزراعة إلى الصناعة والتكنولجيا، ومن القرية إلى المدينة، فهذا لا يعني أن نتحرك بأنانية ونترك رفاق رحلة 40 ألف سنة بعيدا عنا.