[responsivevoice_button buttontext='قراءة المقال' voice='Arabic Female']

قراءة نقدية إصلاحية لعادات تقبيل الأيادي والانحناء والتّبخير للإكليروس

تستّمد العبادة المسيحيّة نبلها وبهاءها من قيامها على بساطة الرّوح وحقّ الإنجيل، حيث يتلاقى المؤمنون/ات بوصفهم أعضاء في جسد واحد، رأسه المسيح. غير أنّ المتأمل في الواقع الطّقسي المعاصر يلمس تراكمات تاريخيّة وثقافيّة أضفت على الهيكل الإكليروسي (الكهنوت الوظيفي) هالةً من التّقديس والرهبة الإمبراطورية، حتى استحالت بعض التّعبيرات الاجتماعية القديمة إلى طقوس إيمانية صارمة.

تأتي هذه القراءة من المنظور الإصلاحي الإنجيلي لإعادة التّفكير في ممارستَين استقرتا في صلب الممارسات الكنسية: تقبيل أيادي الكهنة أو الانحناء لهم، وطَقْس التّبخير الموجه لهم. والغاية هنا ليست الانتقاص من وقار الخدمة الرّعوية، بل تنقية العبادة، وتفكيك الطّبقية الروحية، وتأكيد المبدأ الخالد: المجد لله وحده.

هل تقبيل الأيادي والانحناء للإكليروس مقبول؟

تطرح عادة تقبيل يدّ الأسقف أو الكاهن والانحناء أمامه أسئلة لاهوتية وأخلاقية عميقة: هل نحن أمام ممارسة مقبولة إيمانياً، أم أمام بدعة طقسية تُفترض فيها أنّ الكيان الترابي للإكليروس يحمل قداسة ذاتية وسلطاناً لمنح البركة؟

يرفض الفكر الإصلاحي بوضوح عادة تقبيل الأيادي والانحناء للإكليروس كطقس كنسي أو سلوك إيماني، ويرى فيها امتداداً لثقافات إمبراطورية وأبوية قديمة سادت فيها علاقات الخضوع والتّمايز الطبقي. إنّ الفكر الإصلاحي لا ينفي أهمية تقدير الخدام والاعتراف بجهدهم الرّعوي، لكنّه يرفض بالكامل التّعبير عن هذا التقدير بتقبيل الأيادي؛ فالإكرام الكتابي الأصيل يتجلّى في محبة الخدام، والمشاركة معهم في العمل الرّعوي، وليس في ممارسات تنطوي على إضفاء التّقديس الذّاتي على البشر أو تكريس التّبعية الجسدية.

إن هذه العادة تزيد من خطورتها حين تتحوّل إلى مصدر للعثرة؛ فتُقبَّل يدّ الأسقف أو الكاهن في أوقات الوفاق والمحبة، ويُمتنع عن تقبيلها في أوقات الخلاف والنّفور. هذا التّذبذب يُسقط الفعل في متاهات المجاملات الشّكليّة والمحاباة النّفسية، مما يُشوّه طبيعة المحبّة الأخوية المجردة اّلتي يجب أن تسود بين الإخوة جميعًا في الجسد الواحد.

عند فحص نصوص العهد الجديد، لا نجد أي آية لتلميذٍ أو رسول طلب تقبيل يده أو سُمح له بذلك. فالقبلة المذكورة في الرّسائل البولسيّة كانت قبلة تكافؤ ومودّة أخوية متبادلة بين جميع المؤمنين بلا تمايز طبقي: سلموا بعضكم على بعْض بقبلة مقدسة ((رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 13: 12 )).

أما الانحناء للأشخاص، فقد واجهه التّلاميذ برفض قاطعٍ وحاسم:

  • عندما خرّ كورنيليوس ساجداً عند قدمي بطرس الرسول، أقامه بطرس قائلًا: قم، أنا أيضا إنسان ((سفر أعمال الرسل 10: 26 )).
  • وعندما حاول أهالي لسترة ((لسترة: مدينة أثرية قديمة تقع في جنوب آسيا الصغرى (تركيا حالياً). زارها الرسول بولس في رحلاته التبشيرية، وشفي فيها رجلاً مقعداً، وقابل فيها تيموثاوس لأول مرة. )) تقديم ذبائح وإكرام شبه إلهي لبولس وبرنابا، مزقا ثيابهما… قائلين: أيها الرجال، لماذا تفعلون هذا؟ نحن أيضا بشر تحت الآلام مثلكم ((سفر أعمال الرسل 14: 15 )).

إنّ تحويل الإكليروس إلى معبر إجباري لنيل البركة من خلال الانحناء له وتقبيل يديه يعيد إقامة الحجاب الّذي شُقّ على الصّليب، ويمسّ جوهر عقيدة “كهنوت جميع المؤمنين” الّتي تقرّ بأنّ الجماعة الإيمانية بأسرها نالت حقّ الاقتراب المباشر من عرش النّعمة بالمسيح ((وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء (بطرس الأولى 2: 9) )).

لماذا امتياز التّبخير للإكليروس يعد انحرافا؟

ارتبط البخور في العهد القديم بصعود الصّلوات والابتهالات إلى الله لتستقم صلاتي كالبخور قدامك. ((مزمور 141: 2 )) غير أنّ توجيه البخور نحو الأساقفة، بشكل خاصّ، في أثناء الخدمة الإلهية يُشكل انحرافًا عن مقاصده الرّوحية.

مع حلول العهد الجديد، اكتملت الرّموز بالعبادة “بالرّوح والحقّ”. وإذا كان تقديم البخور في الطّقس القديم موحّدًا وموجهًا لله وحده، فإنّ ممارسة التّبخير للإكليروس تنقل الفعل من رمزيته الرّوحية (رفع الصّلوات) إلى إحاطته بهالة من الرّهبة والتّعظيم الشّخصي، وهو ما يتشابه مع عادات التّبخير التي كانت تُمارَس للكهنة والملوك في العبادات القديمة.

ينصّ الكتاب المقدس بوضوح على غيرة الله على مجده: أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر. ((سفر إشعياء 42: 8 )) وممارسة أفعال العبادة أو مظاهر التّكريم الطّقسي الفائق تجاه البشر تُعد تعديًا على هذا الحقّ الإلهي الحصري. فرفع التّبخير للخدام يُكرّس النّفوذ الاحتكاري للجسد البشري في إدارة العلاقة مع الله، في حين يقرّر العهد الجديد وجود سفير إلهي وجسر فريد واحد بين الخالق والخليقة: لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح. ((رسالة بولس إلى تيموثاوس 2: 5 )) والبخور المقبول الآن هو عمل المسيح الكفاري.

إنّ نقد عادات مثل تقبيل الأيادي والانحناء والتّبخير للإكليروس لا يهدف إلى هدم التّرتيب الكنسي أو ازدراء الخدمة الرّعوية، بل يرمي إلى تحرير الكنيسة من الممارسات الّتي تُشوّه رسالتها الإنجيلية:
1. تحرير الخادم: من الوقوع في كبرياء الذّات وتوهم الامتياز الجوهري على بقية إخوته في الإيمان.
2. تحرير الرعية: من التّبعية الشّكلية والانقياد الأعمى، ليكون إكرامه لراعيه قائمًا على المحبة والتّقدير الواعي لا على الرّهبة الخرافيّة.

إنّ إصلاح العبادة هو دعوة دائمة للرّجوع إلى نصوص العهد الجديد وبساطة الكنيسة الأولى؛ حيث يتساوى الجميع أمام نِعمة الصّليب، وتتجه كلّ القبلات والسّجود والبخور إلى حمل الله وحده، المعلَن سيدًا وربًا، ليكون المجد له وحده إلى أبد الآبدين.