[responsivevoice_button buttontext='قراءة المقال' voice='Arabic Female']

واحدة من أكثر الحيل اللي بتتكرر في جدالات الحرية والمجال العام هي وضع الناس قدام مقارنة مصممة من البداية عشان تزنقهم في كورنر الأخلاق أو مقارنة بين الفاضل مقابل المنحل.

يعني لو كانت رقاصة عملت فقرة كان عادي ومقبول؟.. لكن لما تصلي مش عادي؟
يعني لو كانت لابسة بكيني وبتشرب سجاير يترحب بيها؟.. لكن المنقبة تتمنع من الدخول؟

الجمل دي تبدو للوهلة الأولى منطقية، لكنها مبنية على مغالطة وحيلة هدفها إحراج الناس وإضعاف موقفهم، حيلة مقارنة حاجتين مختلفتين أصلًا لخدمة النتيجة اللي عايز يوصلها الشخص من البداية.

لماذا لا تتوافق الصلاة مع المكان؟

لو بنت عايزة تصلي في مطعم فالسؤال ليس: هل المطعم كان هيسمح لرقاصة تعمل فقرة ولا لأ؟ لكن السؤال الحقيقي: هل الصلاة متوافقة مع طبيعة المكان وقواعده ولا لأ؟

لأن أيوة في مطاعم بتشغل أغاني بصوت عالي، وممكن واحدة تندمج وتقوم ترقص والناس هتبقى مبسوطة عادي، لكن لما واحدة تيجي تصلي في الأجواء دي الناس مش هتبقى مرتاحة.

هل البكيني مسموح والنقاب ممنوع؟

نفس الحوار بيتكرر لما منقبة تكون عايزة تدخل مكان مخصص للسباحة بملابس متحررة جدًا لا تناسب بنات كتير غير محجبات، فما بالك المنقبات. أو واحدة محجبة حالفة ميت يمين تدخل مكان بيسمح بمشروبات كحولية، وبردو تناسب بنات وناس أكتر تحرر في المظهر ونمط المعيشة واللي عايشينها، ففجأة تتحول المقارنة لـ: يعني البكيني مسموح والنقاب ممنوع؟.. يعني المتبرجات مرحب بيهم لكن المحجبات لأ؟

الفكرة أن فعليًا غير مرحب بدول مقابل دول. لأن المكان خلقته كده.. طبيعته وقواعده كده.. يا تناسبك يا لأ.. أنا مثلًا مبحبش أماكن الموسيقى تبقى عالية وناس واقفة تسقف وإضاءة تزغلل العين.. لكن اللي بيحبوا ده أحرار تمامًا.. فمش هروح أفرض نفسي على مكان مبيشبهنيش ولا هعرض نفسي لحد يقولي معلش يا فندم المكان مبيستقبلش ناس أكبر من ٣٠ سنة.. أو المكان بيستقبل كابلز بس.

ولو فرضًا لاقيت مكان له قواعد مكنتش أعرفها من الأول، هعتذر لمضايقتهم وأخد بعضي وأمشي بدون أي شعور بالإحراج.. فالمقارنة الحقيقية المفروض تبقى هل ينفع حد يروح مسجد ويقول: يعني لو واحدة بتصلي ٥ فروض عادي؟ لكن واحدة جعانة وأكلت ساندويتش صغير ده اللي مش عادي؟

أو نقول: يعني لما واحدة تلبس حجاب ترحبوا بيها في المسجد لكن واحدة بشعرها مترحبوش بيها.. إيه الظلم ده؟

نفس الحكاية.. ما أيوة، الحالات الأولى هي اللي تناسب طبيعة المكان.. تناسب المسجد ووقاره، هنا فجأة بتبان سخافة المقارنة. لأن تحويل المسألة لـ إزاي تقبلوا المتبرجة وترفضوا المحتشمة، هي فرض معيار أخلاقي على أي مكان، ثم الضغط على المجتمع كله عشان يمشي بطريقة واحدة ويشوف الحياة بنضارة واحدة.

ده بخلاف أن اللي بيعمل الصداع ده كل مرة هما في الأساس بيصنفوا الناس لكافر مقابل/ مؤمن، محتشمات/ متبرجات، رجل غيور/ راجل ديوث.. وغيرها من المصطلحات اللي لازم يبلعها الجميع بلع، ويتعامل معاها كتوصيفات بريئة ومحايدة.. وهي مصطلحات بتمنح أصحابها شعور بالتفوق والانتصار الأخلاقي، في مواجهة ناس أقل فضيلة من وجهة نظرهم.

وبعدها تيجي المفارقة أن نفس الناس الاستعلائية دي بتصر على التواجد وسط ناس بيوصموهم بكل الموبقات وعايزين يفرضوا وجودهم بالقوة وبالعافية كده.

أما المفارقة الأكبر أنه في حال تم استقبالهم كنوع من المهادنة لابتزازهم، هيحاولوا بكل الطرق فرض قواعدهم اللي شايفينها أخلاقية أكتر وجميلة وبسمسم أكتر.

الخطاب ده ببساطة بيلوي المقارنات، وبيلعب على خوف الناس من رفض اللي بيتقال لأنه هيظهر كرفض للدين والاحترام والفضيلة وموافقة على التبرج والانحلال، لما كل مرة تتلف فيها المقارنة ويتحشر الدين في الموضوع عشان كسب النقاش أخلاقيًا فدي مغالطة ومعاها شوية حشرية والكتير جدًا من الشعور بالاستحقاق والتعالي.

ونفس اللعبة دي لعبها السلفيين والإرهابيين بعد ثورة يناير لما رفعوا شعارات دينية وهتفوا هتافات إسلامية إسلامية، وبعدين لما أي مذيع/ة يحاورهم ويعبر عن خوف الناس من الانقسام اللي بتعمله الشعارات الدينية، كانوا بيردوا بأكتر رد ثعباني في الدنيا: وهي إسلامية إسلامية تضر؟